جارى البحث

أردنيون وأردنيات جندهم "داعش" بصمت

دراسة التطرف تتطلب البحث في أمور أساسية منها الديمقراطية، وعلاقة الدولة بالمجتمع والفرد، إضافة إلى الانتماء والهوية
تاريخ الإنشاء: 24-09-2018 12:35
| آخر تحديث: منذ 7 سنوات
| دقائق القراءة: 9
أردنيون وأردنيات جندهم "داعش" بصمت
تشير الدراسات إلى ازدياد أعداد الأحداث المنضمين إلى الجماعات الإرهابية، مثل "داعش". (المملكة).

اعتقد أبو البراء أن في انضمامه للقتال في سوريا فرصة لنصرة المسلمين المستضعفين وتعليم الناس القرآن وعلوم الدين، لكن سرعان ما وجد نفسه فيما أسماه "صراع التوحش" بين الفصائل المقاتلة المختلفة.

أبو البراء، وهو اسم مستعار، خرج مع مجموعة من الشباب للقتال في سوريا في بداية الحرب الدائرة هناك بعد مرور فترة قصيرة على خروجه من السجن، إذ قبض عليه لمحاولته القتال في حرب العراق التي بدأت في 2003.

"نشأت في أسرة ملتزمة دينيا، والفكر الديني موجود من الأسرة، وانتقل من الفكر الديني إلى فكر الجهاد بمشاهدتنا لبعض المقاطع للمجاهدين الشيشان أيام حرب الروس وفكرة الجهاد بشكل عام نصرة للمسلمين المستضعفين"، يقول أبو البراء لبرنامج قناة المملكة الاستقصائي، "قيد التحقيق".

ويتابع: "أكملنا الحمد لله دراستنا في المدرسة وتخرجنا منها والتحقنا بالجامعة وذهبنا لدراسة الهندسة في إحدى الجامعات في الأردن ومن ثم التقينا بشباب من أصحاب هذا الفكر".

في السجن مكث أبو البراء مع فرع التنظيمات وحملة الفكر الجهادي، فيما استمر فكره بالتبلور.

أغلب أفراد هذا التيار يوضعون في مهاجع مشتركة تفتقر لبرنامج إصلاح؛ فتتحول إلى مراكز تدريب وتجنيد لهذا التيار، وفق محمد أبو رمان، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية.

ويقول مدير المكتب الإعلامي في مديرية الأمن العام، عامر السرطاوي، إن "أصحاب هذا الفكر لا يوضعون مع من لا يعتنق هذا الفكر ... حتى لا يؤثروا بالآخرين".

انتهاك الحق في الحياة 

أبو البراء، العائد من القتال في سوريا، يقول إنه في بداية الحرب "كان من السهل التواصل مع الخارج والداخل والوصول إلى سوريا بكل أريحية"، فعزم على القتال بين صفوف جبهة النصرة، الفرع التنظيمي للقاعدة في بلاد الشام؛ فقد "كان خطابهم الإعلامي خطاب رحمة للمسلمين".

هناك أعطى أبو البراء دروسا دينية وعلم الناس القرآن، ومع توسع مناطق سيطرة جبهة النصرة أصبحت هناك مناطق بحاجة إلى سيطرة ونفوذ. "دخلنا في صراع التوحش،" يقول أبو البراء.

من المنضمين للقتال مع الجماعات الجهادية من يشعرون بالإحباط وليس لهم مستقبل، وهنالك مجموعة تلتحق لأنها تعتقد أنها ذكية وقادرة على تغيير الأمور وستناط بهم مهمات قيادية وسيحققون نوعا من العدالة في العالم آن سبيكارد، مديرة المركز الدولي لدراسة التطرف العنيف في واشنطن

أبو البراء اصطدم بانتهاك التنظيم لحق الأبرياء في الحياة.

"أنا الآن تركتهم وبيّنت للناس لماذا تركتهم ... لم نأت لنقتل الرجال ونرمّل النساء وما تدري النساء أن أزواجهن قتلوا... ما جئنا لذلك. جئنا لنصرة أهل الشام، للدفاع عن المظلومين، للدفاع عن المستضعفين"، يقول أبو البراء.

رئيس الوزراء عمر الرزاز، وهو وزير التربية والتعليم السابق، يرى أن مكافحة التطرف لا يمكن أن تقتصر على الجانب العسكري، إذ يتطلب الأمر تحصين المجتمع وتطوير "خطاب مغاير يقبل على الحياة ويحترم الإنسان ويحترم الآخرين ويتقبل النقد"، مشيرا إلى أن هذا الخطاب يتأصل بالممارسة.

شعور بالتهميش

شغف الطفل رامي (16 عاما) بمجال الهندسة، ومهارته في فك رسائل مشفرة لم يسفرا عن اختراع يخدم البشرية، بل زجّا به في مركز للأحداث في العاصمة عمّان كمتّهم في قضية إرهاب.

مهمة رامي، وهو اسم مستعار، كانت فك رسائل مشفرة بين عقول "تنظيم الدولة" الإرهابي، المعروف باسم "داعش"، في الخارجِ وخلية تنفيذ في الأردن، تحوي إرشادات من قادة التنظيم حول استهداف مواقع سياحية وعسكرية.

عاش رامي في مدينة إربد طفولة تنبئ بمستقبل متميز، لكنّ والده كان عضوا في خلية إرهابية قالت السلطات إنها خططت للقيام بعمليات كبرى في الأردن -- الأمر الذي مهّد لأن يودي ذكاء رامي به إلى الزنزانة.

رامي هو واحد من 40 حدثا اتهموا، أو أدينوا في قضايا إرهاب منذ 2014، وفقا لفواز الرطروط، الناطق الإعلامي السابق في وزارة التنمية الاجتماعية.

"غالبية الأطفال المتهمين والمدانين بقضايا في الأردن يأتون من أسر كاملة من أب وأم، لكن على ما يبدو أن هذه الأسر تجد صعوبة أو تحديا في عملية تنشئة أطفالها"، يقول الرطروط.

السبب الحقيقي لانخراط الشباب في صفوف جماعات إرهابية هو شعور الشاب في مرحلة معينة بالحاجة للبحث عن معنى لحياته ... وفي مجموعة أكبر ينتمي إليها ... فإذا بحث حوله ولم يجد، سيبدأ بالبحث عن أي مجموعة تتبناهعمر الرزاز، رئيس الوزراء، والوزير السابق للتربية والتعليم

ويقول الرزاز: "الشعور بالتهميش أساسي في بحث الشاب عن بدائل يخرج فيها من المجتمع ويخرج على المجتمع".

"نحن لا نزال في مجتمع يرفض التساؤل والأسئلة ... ثقافتنا أن أولياء الأمور يطلبون من أبنائهم أن يسكتوا، وأنهم كثيرو السؤال في حال سأل الأبناء. هذه كلها تحديات علينا أن نعمل عليها"، وفق الرزاز.

في مركز الأحداث، تعرّف رامي على طفل آخر متهم بمحاولة اجتياز الحدود إلى سوريا. وتمكن الطفلان، رامي وعمّار، وهو اسم مستعار، من الهرب والاختباء في منزل مهجور داهمته القوات الأمنية بعد أن ارتاب الجيران.

ضمن المؤشرات الجديدة المرتبطة في تيار داعش في الأردن هو ازدياد عدد الأحداث المشاركين في خلايا هذا التنظيم ... لدينا عدد من الأحداث قتلوا ... والبعض يقاتلون إلى جوار جبهة النصرة وداعش في سوريا والعراق .. أو من اتهموا على خلفية قضايا مرتبطة بالإرهابمحمد أبو رمان، باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية

رامي كان ينوي استخدام الديناميت في تنفيذ عملية إرهابية تستهدف مواقع عسكرية، ورجال أمن انتقاما لوالده الذي أعدم بعد القبض عليه ضمن خلية إرهابية.

يقول والد عمّار، الذي يواجه أيضا تهما بالإرهاب، إنه كان مجتهدا في دراسته، ولم يكن انعزاليا أو انطوائيا، ولم يرافق أصدقاء سوء.

يتذكر والد عمار: "في فترة هروبه ذهب إلى الملاهي ... تفكيره تفكير أطفال فعلا ... يا ليته حاول الاتصال بي … كنت سلّمته للجهات الأمنية".

السرطاوي قال إن إحدى الأمهات أبلغت عن ابنها وتمكنت الأجهزة الأمنية من التعامل معه وضبطه أثناء محاولته مغادرة البلاد عبر حدود غير رسمية، مضيفا أن "الأم كانت سبباً في نجاة ابنها".

ضغوط أسرية

وتختلف قصة الجامعية سمية، وهو أيضا اسم مستعار، حيث دفعها الملل والفضول إلى تصفح حسابات أعضاء في "داعش" والتواصل معهم عبر منصات إلكترونية.

تقول سمية إن الفراغ في حياتها، وفضولها، وقلة وعيها، ما كانت إلا عوامل اجتمعت ودفعتها لمعرفة المزيد عن التنظيم وأصله وهدفه، وتضيف أن الإعلام والمدارس والجامعات لم يجيبوا عن تلك الأسئلة.

"من خلال أجهزة التواصل أحببت أن أعرف ما هو التنظيم أصلا، وما هي أفكار أتباعه... فدخلت على صفحاتهم وأحببت أن أعرف"، وفقا لسمية.

أسابيع قليلة كانت كفيلة بتجنيد الفتاة الأردنية، التي حاولت الالتحاق بالتنظيم عبر تركيا في سبيل العيش في "دولة الخلافة" وتربية أبنائها بـ "طريقة إسلامية"، على حد قولها.

وفورَ وصولها إلى إسطنبول أرسلت سميّة رسالة إلى أهلها أخبرتهم فيها أنها التحقت بتنظيمِ "داعش"، وأنها لا تنوي العودة للأردن مطلقا، وسرعان ما استقرت في بيت على منطقة حدودية مع سوريا اجتمعت فيه عشرات النساء، وجهتهن جميعاً "دولة الخلافة".

دوافع انضمام المرأة للجماعات الإرهابية تختلف قليلا عن دوافع انضمام الرجل ... الرجال والنساء عادة ما يكونون معنيين بالعدالةآن سبيكارد، مديرة المركز الدولي لدراسة التطرف العنيف في واشنطن

لكن سميّة قررت العودة إلى الأردن وساعدها في ذلك تدخّل بعض المسؤولين الأردنيين بناء على طلب منها ومن أسرتها.

"درست بكالوريوس وتخرجت ولم أجد فرصة عمل مناسبة ... الواسطة والمحسوبية كانت السبب"، حسب سمية التي اضطرت للعمل خارج مجال اختصاصها مقابل راتب شهري لم يتعد 70 دينارا، وهو "مبلغ غير كافٍ بالتأكيد".

سمية واجهت أيضا ضغوطا من أسرتها فيما يتعلق بحريتها الشخصية، مثل منعها الخروج من المنزل، وضغوطا في المصروف، وإجبارها على لبس معين والإساءة لها لفظيا.

"الضغوط داخل الأسرة كانت هي الدافع بأن ألتحق بالتنظيم بصراحة"، وفقا لسمية.

الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية، حسن أبو هنية، يعتقد أن للانضمام لهذه الجماعات أسبابا عديدة "قد تكون سيكولوجية متعلقة بالشخص الذي يريد أن يخوض مغامرة أو يعبر عن ذاته"، وقد تكون الأسباب اجتماعية.

الأسر المفككة وبعض المشاكل الاجتماعية العميقة، أو عدم المساواة الاجتماعية في داخل المجتمع قد تنشئ حالة من الرفض والاحتجاج تأخذ شكل هذا الطابع العنيف حسن أبو هنية، باحث في شؤون الجماعات الإرهابية

أبو رمان قال إن هناك انخراطا أكبر للنساء في القضايا التي تنظر بها محكمة أمن الدولة، ومنها الانتماء أو الترويج لجماعات إرهابية.

"لم يكن هنالك قضايا للنساء باستثناء القضية المتعلقة بساجدة الريشاوي. الآن نحن نتحدث عن 7 نساء في قضايا تنظر بها محكمة أمن الدولة وعشرات النساء اللاتي تم التحقيق معهن.

وأشار أبو رمان أيضا إلى زيادة في انضمام الشباب الجامعي والمتعلم للتنظيم، ومنهم حملة شهادات الطب والهندسة.

كل ما ذكر يدلل على حاجة الشباب لملء الفراغ، والشعور بالإنجاز والمشاركة.

تجنيد صامت

المختص في شبكات التواصل الاجتماعي وتطوير المواقع الإلكترونية، تامر عوايشة، يرى أن الحكومات تراقب وسائل التواصل الاجتماعي من باب التصدي للتطرف، لكن هذه المنصات لا تشكل إلا بداية التجنيد في الجماعات الإرهابية.

"ما إن تتم عملية صيد الشخص من خلال منصات التواصل الاجتماعي أو المنتديات"، وفقا لعوايشة، حتى يتم الانتقال إلى "الأندرجراوند"، أو "تحت الأرض" بالإنجليزية، وتشير إلى "برامج ضخمة جدا" تخضع لحماية عالية تستخدمها الجماعات الإرهابية للتجنيد.

وبين أنه لا يمكن مراقبة طرفي عملية التجنيد؛ لأن العملية تحدث في مكان آخر، كما أن عملية الحماية "ضخمة جدا وقوية جدا وتتم بتقنيات عالية جدا ولذلك مراقبتها صعبة جدا".

مروان شحادة، باحث في شؤون الجماعات الإسلامية، يرى أن التجنيد "يبدأ من اهتمام الشباب بمتابعة الأخبار عبر الشبكة العنكبوتية الإنترنت، ثم بتكوين شبكة علاقات مع الملتزمين من هؤلاء الأشخاص ثم دائرة أضيق من دوائر الثقة ثم الاطلاع على طرق الوصول لمناطق النزاع أو مناطق الصراعات المسلحة مثل سوريا والعراق".

النسبة الكبرى من الأردنيين المتهمين بقضايا إرهاب تتراوح أعمارهم بين 23 إلى 30 عاما، أي نحو 34%.دراسة أجراها فريق برنامج "قيد التحقيق"

الدراسة، التي تضمنت تحليل مضمون بيانات عينة عشوائية شملت 125 متهما بالإرهاب في الأردن بين عامي 2016 و2017، تفيد بأن نسبة المتهمين بالإرهاب ممن هم بين 40 و60 عاما قاربت 17%.

وبلغت نسبة المتهمين الذكور 97.5%، كما ذكرت الدراسة أن نحو 90% من المتهمين يؤيدون فكر "داعش" الإرهابي.

إحباط وتطرف

"تعلن الدولة أن نسبة البطالة بلغت 18.6%، وتعلن عن ازدياد جيوب الفقر في الأردن وفي مناطق نعلمها جميعا ... "، حسب وزير الخارجية الأسبق سمير الحباشنة، وتؤيده في ذلك سبيكارد.

الإحباط يدفع الشاب إلى أن يذهب باتجاهات خاطئةسمير حباشنة، وزير خارجية أسبق

"بعض الشباب أخبرونا أنه إذا لم يكن لديهم واسطة لن يحصلوا على عمل. هناك حالة من الإحباط؛ لذلك بدأ بعض الشباب يؤمن بهذه الأيديولوجية" وفق سبيكارد.

لكن وزير الداخلية الأسبق حسين هزاع المجالي لا يرى أن الحاجة المادية هي سبب رئيس للانضمام إلى الجماعات الإرهابية.

"هناك الكثير من الدول الفقيرة وأفقر من الأردن بكثير لا ينضم أبناؤها إلى تنظيمات إرهابية بأي فكر كان، ولكن الفقر محتمل أن يخلق بيئة (محفزة)".

أبو رمان يرى أن دراسة التطرف تتطلب البحث في أمور أساسية منها الديمقراطية، وعلاقة الدولة بالمجتمع وعلاقة الدولة بالفرد والانتماء والهوية.

الفكر لايحارب إلا بالفكرعامر السرطاوي، مدير المكتب الإعلامي في مديرية الأمن العام

ويقول السرطاوي إن الرسالة الأمنية تركز على عدم التعامل مع مجهولين خلف الشاشة وعدم الدخول في حوار معهم؛ لأنهم قد ينجحوا في الإقناع، "خاصة لمن ليس لديهم خلفية دينية تمكنهم من تمييز الصح من الخطأ".

"علينا كمجتمع نبذ العنف المجتمعي كثقافة.. لأن العنف عندما يبدأ في البيت وينتقل إلى المدرسة وينتقل إلى الشارع فالطالب يكون مهيأً أن يأخد خطوة أخرى باتجاه مزيد من العنف والتطرف بحيث لا يرى هناك مشكلة في إقصاء وانتهاك كرامة إنسان والنيل منه وإيذائه جسديا بما فيه القتل"، بحسب الرزاز.

 

يمكنكم التواصل مع وحدة التحقيقات الاستقصائية في قناة المملكة واقتراح مواضيع وقضايا على البريد الإلكتروني inv@almamlakatv.com

المملكة

Poll

يُغلق خلال ساعتين و14 دقيقة

test poll for article inner

site.Yes . 100% site.No . 0%
656 You voted for "site.No" 0
التحليل...
656 Vote