يشكّل ارتفاع مستوى البحار خطرا متناميا يهدّد الدول الجزرية الصغيرة والمناطق الساحلية، لكن تداعياته وخيمة أيضا على القوى الاقتصادية العالمية.
وتمهيدا لنشر تقرير مرتقب جدا من إعداد الأمم المتحدة عن المحيطات والتغير المناخي، حصلت وكالة فرانس برس على نسخة حصرية من مسوّدته، إليكم لمحة عما ينتظر الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند إذا لم تبذل أي جهود لقلب المعادلة، فضلا عن تذكير بحصّة كلّ منها في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
الصين
أصدرت الصين التي تضمّ 1.39 مليار نسمة 10.8 غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون سنة 2017، أي نحو 29% من الانبعاثات العالمية الإجمالية، وفق قاعدة بيانات الانبعاثات للبرنامج العالمي لأبحاث الغلاف الجوي (إدغار) التابعة للاتحاد الأوروبي.
وصحيح أن الانبعاثات الكربونية للفرد الواحد في الصين تعدّ منخفضة نسبيا، غير أن وتيرة النمو الفائق السرعة في ثاني اقتصاد عالمي من المتوقع أن تؤثر على ارتفاع مستوى مياه البحار طوال قرون.
ويضيء التقرير الخاص الجديد للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ حول المحيطات والغطاء الجليدي المزمع نشره في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر، على هذه التحديات الهائلة.
وتقع شنغهاي، أكثر المدن تعدادا للسكان في الصين، في دلتا شاسعة عند مصبّ نهر يانغتسي.
ويشير تقرير الهيئة الذي حصلت وكالة فرانس برس على مسوّدة ملخّصه الرسمي إلى أنه إذا بقيت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على هذا المنوال، فإن شنغهاي قد تواجه ارتفاعا لمستوى البحر بواقع 2.6 مليميتر في السنة، في النصف الثاني من القرن 21، وهو معدل أعلى بكثير من ذاك المتوقع تسجيله على الصعيد العالمي.
وتوقعت دراسة أن تبلغ قيمة السلع المعرّضة للخطر 1700 مليار دولار بحلول 2070، وقد تغمر المياه بانتظام نصف الحواجز التي أرسيت للاتقاء من الفيضانات في المدينة الكبيرة بحلول 2100.
وليست شنغهاي المدينة الصينية الوحيدة المعنية بهذا الوضع. فقد بينت دراسة تعود إلى العام 2015 أن 9 مدن من بين المدن العشرين الأكثر عرضة لخطر ارتفاع مستوى البحار تقع في الصين. ورغم ذلك، ما انفكّت الانبعاثات الصادرة عن الصين ترتفع سنة تلو الأخرى.
وقال لي شوو من منظمة "غرينبيس" الدولية في تصريحات لوكالة فرانس برس، إن "أجندة بكين المناخية تشهد تباطؤا بسبب الوضع الاقتصادي في الصين. فعندما يواجه بلد ما مصاعب اقتصادية، يؤثر ذلك سلبا على بعض التشريعات البيئية وتزداد الميول إلى إنشاء محطات عاملة بالفحم".
الولايات المتحدة
تجد الولايات المتحدة التي أصدرت 5.1 غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون في 2017 نفسها في موقف ضعيف أمام ارتفاع مستوى مياه البحر خصوصا ساحلها الشرقي المتطور جدا ومدنه الشاسعة.
وتفيد إحدى الدراسات التي استشهد بها تقرير الهيئة بأن مستوى مياه البحر قد يرتفع 1.2 متر بحلول نهاية القرن الحالي في حال عدم خفض الانبعاثات على المستوى العالمي؛ مما سيؤدي إلى زيادة المناطق المعرضة للفيضانات في شرق الولايات المتحدة 5 مرات.
وحذّرت دراسة ثانية من أن نيويورك قد تواجه خطرا إضافيا بالتعرض لفيضانات في حال ارتفاع مستوى البحار 1.3 مليميتر في السنة بشكل وسطي. وقد تتعرض نيويورك لفيضانات ارتفاعها 2,25 متر كل 5 سنوات، اعتبارا من 2030 وحتى 2045. وقبل الحقبة الصناعية، كان ذلك ليحدث كل 500 سنة.
وقال مايكل مان الأستاذ في جامعة "بن ستايت يونيفرسيتي"، إن الولايات المتحدة "ليست جاهزة لمواجهة ارتفاع مستوى البحار بمتر واحد بحلول العام 2100. يكفي النظر إلى ما حدث إثر أعاصير ساندي وكاترينا وهيوستن".
وأضاف: "يكفي تسجيل حادث كهذا للتسبب بتهجير مئات آلاف الأشخاص، والقضاء على بنى تحتية هائلة تكلف مليارات الدولارات. نحن نواجه هذه المشكلة من الآن؛ بسبب آثار التغير المناخي على ظواهر الطقس القصوى".
الاتحاد الأوروبي
أنتجت أكبر سوق مشتركة في العالم 3.5 غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون العام 2017، لكن الكثير من الدول الأعضاء التزمت خفض انبعاثاتها.
وخلال مفاوضات قبل فترة قصيرة في الأمم المتحدة حول المناخ قالت إيفون سلينغنبرغ مديرة العمل المناخي في المفوضية الأوروبية لوكالة فرانس برس إنها على ثقة بأن كل الدول الأعضاء ستلتزم حياد الكربون "قبل نهاية السنة" الراهنة.
ويقوم حياد الكربون على عدم إصدار بلد ما انبعاثات مسببة لمفعول الدفيئة المسؤولة عن الاحترار المناخي في حال تفوق قدرته على استيعابها من خلال الغابات أو التربة على سبيل المثال.
وأوروبا أقل عرضة من القوى الاقتصادية الأخرى فيما يتعلق بارتفاع مستوى البحار، مع أن تقرير الهيئة يشير إلى احتمال متزايد لحصول فيضانات في دلتا نهر راين، وهو محور تجاري مهم جدا.
لكن درجات الحرارة المرتفعة العائدة إلى الانبعاثات قد تبطئ التيارات البحرية في شمال المحيط الأطلسي؛ مما قد يؤدي إلى عواصف في الشتاء أكثر ضراوة في القارة الأوروبية.
الهند
أنتجت الهند من جهتها 2.4 غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون العام 2017. ويقيم نحو 260 مليون شخص أي خُمس سكان البلاد في مناطق ساحلية معرضة من الآن لعواصف يزيد من حدتها التغير المناخي.
ويشير تقرير الهيئة الدولية إلى أن الأمطار الموسمية الصيفية في الهند وهي مصدر حيوي للمياه في المجال الزراعي لملايين الأشخاص، تراجعت بشكل كبير منذ العام 1950 بسبب احترار المحيط الهندي على الأرجح.
وقال هارجيت سينغ المكلف القضايا المناخية في منظمة "أكشن إيد" غير الحكومية لوكالة فرانس برس، إن الهند معرضة بشكل كبير لارتفاع مستوى البحار، وقد يضطر ملايين الأشخاص إلى النزوح عن مكان إقامتهم خلال العقود المقبلة.
وأوضح "السؤال المطروح هو إلى أين ينتقلون. فهذا البلد هو من أكثر بلدان العالم اكتظاظا بالسكان، ما يعني أن الوضع سيؤدي إلى نزاعات بين المجتمعات المضيفة والنازحين. نحن جالسون على قنبلة موقوتة".
أ ف ب