تسيطر حالة من القلق الممزوج بالتحدي على مدينة القامشلي التي يسيطر عليها الأكراد في وقت تثير فيه التحولات السريعة في الحرب السورية تساؤلات حول مستقبل الحكم الذاتي للأكراد شمال شرق سوريا.
وشعر الصيدلي علي وليد بارتياح كبير هذا الأسبوع عندما وافقت تركيا على وقف توغلها شمال شرق سوريا الذي استهدف دفع المقاتلين الأكراد بعيدا عن حدودها.
ولكن مثل كثير من الأكراد السوريين الآخرين في القامشلي يشعر وليد بالقلق من أن تحاول دمشق إعادة فرض سيطرتها على المناطق التي أقام فيها الأكراد السوريون حكما ذاتيا.
وقال وليد 40 عاما "اليوم تبدو الأمور أكثر استقرارا عن الأمس ولكن لا يمكن التكهن بما سيحدث في المستقبل. نأمل أن يكون الغد أفضل إن شاء الله".
وأضاف بينما كان يقف أمام صيدليته الصغيرة: كان لدينا حكم ذاتي لكننا نخشى فقدانه إذا عادت الحكومة السورية... لم يعترفوا أبدا بحكمنا".
وشنت تركيا هجومها هذا الشهر بعد أن سحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب قواته من شمال شرق سوريا. وكان هدف أنقرة من الهجوم هو دحر وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها تركيا "إرهابية".
ويرى أكراد سوريا أن الهجوم يمثل تهديدا للحكم الذاتي الذي أقاموه شمال شرق سوريا ذي الأغلبية الكردية خلال الحرب السورية منذ 8 سنوات.
وسعيا للحماية طلب الأكراد من الجيش السوري وحليفته روسيا المساعدة في دفاعهم ضد تركيا.
ووافقت تركيا في 17 أكتوبر/تشرين الأول على وقف هجومها لمدة 5 أيام للسماح للقوات الكردية بالانسحاب من "منطقة آمنة" سعت تركيا طويلاً لإقامتها.
وفي تحول آخر اتفق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الثلاثاء، على أن تبدأ قوات من الجانبين بالإشراف على إبعاد مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية بأسلحتهم مسافة 30 كيلومترا على الأقل داخل العمق السوري.
علاقة مضطربة
ويتيح ذلك الاتفاق عودة الجيش السوري إلى الحدود الشمالية الشرقية للمرة الأولى منذ سنوات من خلال الموافقة على نشر قوات حرس الحدود السورية اعتبارا من الأربعاء.
ويشعر الكثيرون بالقلق من توغل الجيش السورية على نحو أكبر في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد.
وعندما حلقت طائرة على ارتفاع منخفض نظر كثيرون إلى السماء بحالة من القلق.
وردا على سؤال عما سيحدث قال رجل 65 عاما اكتفى بذكر اسمه الأول حسن "لا أعرف".
وخلال 6 أيام ستبدأ قوات روسية وتركية سويا بتسيير دوريات في قطاع بعمق عشرة كيلومترات في شمال شرق سوريا كانت تنتشر فيه قوات أميركية مع حلفائها الأكراد السابقين على مدى سنوات.
وتقع القامشلي خارج منطقة الدوريات السورية الروسية بيد أنه سرت شائعات الثلاثاء في المدينة بأن الجيش السوري قد تعزز قبضتها أو تسيطر على الطرق المؤدية إلى العراق المجاور.
لكن الحياة تسير على نحو طبيعي حتى الآن.
وشارك أكثر من ألف كردي في مسيرة بالمدينة إلى قاعدة تابعة للأمم المتحدة للتنديد بأردوغان والمطالبة بحماية دولية في مظاهرة دعت إليها قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والتي تنتمي إليها وحدات حماية الشعب الكردية.
وتتمتع المنطقة باستقرار نسبي منذ أن ألحقت قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة الهزيمة "بتنظيم الدولة" الإرهابي المعروف بـ "داعش" والذي سيطر على عدة مدن شمال شرق سوريا.
توازن عسكري
لكن التغيرات السريعة التي حدثت هذا الشهر أحدثت خللا بالتوازن العسكري في ربع البلاد مما جدد المخاوف من عودة ظهور "داعش" الإرهابي مرة أخرى.
وبعد فترة قصيرة من الاحتجاج انفجرت سيارة ملغومة في وسط القامشلي الأربعاء مما أدى إلى إصابة أحد المدنيين حسبما أفاد شهود عيان. وقال شهود العيان إن جنودا سوريين ومقاتلين أكرادا هرعوا إلى المكان لكنهم لم يتحدثوا تقريبا مع بعضهم البعض.
وقال ترامب الأربعاء إن أنقرة أبلغته بأن وقف إطلاق النار شمال سوريا أصبح دائما الآن . وقال قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم كوباني إن ترامب وعد بالإبقاء على دعم طويل الأمد للقوات التي يقودها الأكراد في الشمال الشرقي.
ورغم عداوتهم فإن القوات الكردية والجيش السوري نادرا ما قاتلت بعضها البعض في الحرب السورية. وفي حين تعهدت دمشق باستعادة الأراضي الخاضعة لسيطرة وحدات حماية الشعب الكردية فإن قنوات الاتصال لا تزال مفتوحة بين الجانبين.
وترك الجيش السوري إلى حد كبير الشمال الشرقي خاضعا لحكم ذاتي لكنها ظلت تدفع الرواتب وتحتفظ بوجود في القامشلي وتسيطر على جزء من وسط المدينة.
ويخشى الأكراد الذين تخلفوا عن الخدمة في الجيش السوري أو عارضوا الأسد من تعرضهم للاضطهاد إذا عادت مناطقهم لسيطرة الحكومة. لكن كثيرين ما زالوا يفضلون دمشق على أنقرة.
وقال طلعت يونس المسؤول بقوات سوريا الديمقراطية "ما يعنينا حاليا هو توقف الغزو التركي.. إدارة الحكم الذاتي (الخاصة بنا) جاهزة للحوار مع سوريا".
المملكة + رويترز