ارتفعت الليرة التركية الاثنين، لتعوض خسائرها السابقة بعد أن فقد حزب الرئيس رجب طيب أردوغان حزب العدالة والتنمية سيطرته على العاصمة أنقرة في الانتخابات المحلية وبدا متأخرا في إسطنبول، كبرى المدن التركية، مع استمرار فرز الأصوات.
وفي الساعة 11:37 بتوقيت غرينتش، كانت الليرة عند 5.5290 مقابل الدولار الأميركي، في سعر أقوى من إغلاق الجمعة البالغ 5.5550. كانت العملة ضعفت إلى 5.7001 في المعاملات المبكرة.
وهوت الليرة نحو 30% أمام الدولار في خضم أزمة للعملة العام الماضي. وفي تكرار لأزمة الثقة تلك، شهدت العملة التركية تقلبات حادة في جلسات التداول الست الأخيرة مع إطلاق الحكومة والبنك المركزي سلسلة إجراءات دعم مؤقتة.
وألقى الركود الاقتصادي التركي بظلاله على توجهات الناخبين.
ومُني أردوغان بانتكاسات صادمة في الانتخابات المحلية بخسارة حزبه الحاكم (العدالة والتنمية) السيطرة على العاصمة أنقرة للمرة الأولى منذ تأسيس الحزب عام 2001، وهو الأمر الذي قد يعقد خططه لمعالجة الركود الاقتصادي.
وأعلن كل من حزب العدالة والتنمية وحزب المعارضة الرئيسي (الشعب الجمهوري) فوزه بالانتخابات في اسطنبول أكبر مدن البلاد ومركزها الاقتصادي. وقال الحزب الحاكم إن لديه "كثيرا" من الأدلة على حدوث مخالفات انتخابية.
ويهيمن أردوغان على المشهد السياسي التركي منذ وصوله إلى السلطة قبل 16 عاما ويحكم البلاد بقبضة حديدية وقد نظم حملات انتخابية متواصلة على مدى شهرين قبل انتخابات أمس الأحد التي وصفها بأنها "مسألة حياة أو موت" بالنسبة لتركيا.
لكن لقاءاته الجماهيرية اليومية والتغطية الإعلامية الداعمة له في معظمها لم تكسبه تأييد الناخبين في المدينتين الرئيسيتين وذلك في ظل تأثير أزمة العملة القاسية التي وقعت العام الماضي بشدة على الناخبين.
وقال زعيم المعارضة كمال قليجدار أوغلو "صوت الشعب لصالح الديمقراطية، لقد اختاروا الديمقراطية". وأعلن حزبه الشعب الجمهوري فوزه في مدينة إزمير المطلة على بحر إيجة، وهي معقل للحزب وثالث أكبر المدن التركية.
وسيطر حزب العدالة والتنمية وسلفه الإسلامي على اسطنبول وأنقرة على مدى 25 عاما. وقالت مصادر داخل الحزب وأخرى مقربة منه إن النتائج، التي لا تزال يتم فرزها وتواجه طعونا، ستؤدي على الأرجح إلى تغييرات شخصية في أعلى مناصب الحكومة.
مخالفات
ووفقا لبيانات لجنة الانتخابات وحزب الشعب الجمهوري فإن مرشح الحزب المعارض لمنصب رئيس بلدية اسطنبول تقدم على مرشح حزب العدالة والتنمية بأكثر من 25 ألف صوت مع فرز آخر الأصوات.
لكن بيرم شان أوجاق رئيس حزب العدالة والتنمية في منطقة اسطنبول يقول إن المخالفات في الأصوات كان لها تأثير على النتيجة ويصر على أن حزب أردوغان فاز بالانتخابات.
وفي أنقرة، ذكرت وسائل إعلام تركية أن مرشح حزب الشعب الجمهوري حقق فوزا واضحا في أنقرة، لكن حزب العدالة والتنمية قال إنه سيطعن على النتائج في بعض أحياء العاصمة ويتوقع أن تتغير النتيجة لصالحه.
وذكرت وكالة أنباء الأناضول الحكومية إن التحالف الحاكم بزعامة أردوغان، والذي يضم حزب الحركة القومية اليميني، حصل على 51.7% من الأصوات على مستوى البلاد بعد فرز كل الأصوات تقريبا. وكانت نسبة الأقبال على مستوى البلاد كبيرة جدا وبلغت 84.52%.
وبرغم الحصول على أغلبية الأصوات في انحاء البلاد، فإن هزيمة حزب أردوغان ذي الجذور الإسلامية في أنقرة تشكل ضربة كبيرة للرئيس. ومن شأن الخسارة في اسطنبول، التي استهل فيها إردوغان مسيرته السياسية وكان رئيسا لبلديتها في التسعينيات، أن تكون صدمة أكبر.
وتراجعت الليرة التركية، التي تأرجحت في نطاق كبير في الأسبوع الذي سبق الانتخابات في تذكرة بأزمة العملة العام الماضي، بنسبة تصل إلى 2.5% مقابل الدولار قبل أن تستعيد خسائرها في وقت لاحق.
وتوقع مسؤول في حزب العدالة والتنمية ومصدر آخر مقرب من الحزب إجراء تعديل وزاري وتغييرات أخرى في الدائرة المحيطة بأردوغان خاصة بعد الخسارة في اسطنبول.
وقال المسؤول الذي طلب عدم نشر اسمه "ستحدث تغييرات بكل تأكيد في بعض المواقع مثل الدائرة المقربة من أردوغان في الحزب ومجلس الوزراء".
وأضاف "تتوقع الأسواق حدوث تغيير في مجلس الوزراء. هذا يجعل التغيير ضروريا".
رئيس اللجنة العليا للانتخابات التركية، قال الاثنين، إن مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض لرئاسة بلدية إسطنبول حصل على 4.16 ملايين صوت مقابل 4.13 ملايين لمرشح حزب العدالة والتنمية، وذلك في الانتخابات المحلية التركية التي جرت الأحد.
وكان حزبا العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان والشعب الجمهوري الجمهوري المعارض، أعلنا مساء الأحد، فوزهما بهامش ضئيل برئاسة بلدية إسطنبول.
مرشّح حزب الشعب الجمهوري المعارض أكرم إمام أوغلو أعلن فوزه بانتخابات رئاسة بلدية إسطنبول كبرى مدن تركيا، وذلك بعيد ساعات على إعلان منافسه، مرشّح حزب العدالة والتنمية ورئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم فوزه في هذه المعركة التي أظهرت نتائجها الأولية أن الفارق ضئيل للغاية.
وقال أوغلو "أودّ أن أعلن لسكّان إسطنبول، ولكل تركيا، أنّه وفقاً لأرقامنا، فمن الواضح أنّنا فزنا بإسطنبول، وإنّه يستحيل على منافسه "اللحاق به".
وأضاف للصحفيين في إسطنبول أن البيانات الصادرة من حزبه تظهر أنه فاز بفارق نحو 28 ألف صوت، في حين قال أحد قادة حزب العدالة والتنمية في إسطنبول، إن مرشح الحزب بن علي يلدريم فاز بفارق 4 آلاف صوت.
وكان يلدريم، أعلن فوزه برئاسة بلدية إسطنبول في الانتخابات.
وقال أمام أنصاره "لقد فزنا بالانتخابات في إسطنبول. نشكر سكان إسطنبول على التفويض الذي منحونا إيّاه"، وذلك بعدما أظهرت نتائج فرز 98% من الأصوات حصوله على 48,71% من الأصوات مقابل 48,65% لمنافسه، بحسب نتائج رسمية أوردتها وكالة أنباء الأناضول الرسمية.
"الحزب الأول" في تركيا
أردوغان، قال إن حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه "خسر فيما يبدو انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول"، لكنه أضاف أنه لا يزال "الحزب الأول" في تركيا.
وأضاف أردوغان للصحفيين في أنقرة "أغلبية الأحياء في إسطنبول كانت لنا أو تنافسية. ماذا يعني هذا؟ حتى إذا تخلى أُناسُنا عن رئاسة البلدية، فقد أعطوا الأحياء لحزب العدالة والتنمية".
وأشار إلى أن حزبه سيطعن على النتائج أينما دعت الحاجة. وأشار إلى أنه سيتخذ الإجراءات اللازمة في الوزارات والمؤسسات لجعل نظام الحكم أكثر حيوية.
وأوضح رئيس دائرة الاتصالات في الرئاسة التركية فخر الدين ألتون أن تصريحات أردوغان بشأن نتائج الانتخابات في إسطنبول لا تتناقض مع إعلان فوز مرشح حزب العدالة والتنمية.
وقال ألتون على تويتر من كلمة أردوغان "لم يدل رئيسنا بأي تصريحات بشأن إسطنبول تتناقض مع بيان السيد بن علي يلدريم".
ولم تشهد تركيا انتخابات حامية كهذه منذ سنوات عديدة، على الرّغم من أن الظروف الميدانية للحملة الانتخابية كانت إلى حد كبير لمصلحة حزب العدالة والتنمية الذي حظي بتغطية إعلامية ساحقة.
وصوت الأتراك لاختيار رؤساء بلدياتهم، وأعضاء مجالسهم البلدية ومخاتيرهم.
وفي وقت تواجه تركيا أول انكماش اقتصادي منذ 10 سنوات، وتضخماً قياسيا وبطالة متزايدة، تشكل هذه الانتخابات اختباراً لأردوغان بعد فوزه في كل الانتخابات منذ وصول حزب العدالة والتنمية الذي يترأسه إلى السلطة عام 2002.
وفي وقت أكد أردوغان أن "بقاء الأمة" على المحك داعياً إلى "دفن أعدائها في صناديق الاقتراع"، دعت المعارضة من جهتها إلى اغتنام هذه الانتخابات الأخيرة قبل استحقاق 2023 لمعاقبة السلطة على سياستها الاقتصادية.
وفي مؤشر إلى أهمية هذه الانتخابات المحلية بالنسبة إليه، شارك أردوغان (65 عاماً) بشكل نشط في الحملة، فعقد أكثر من مئة مهرجان انتخابي خلال 50 يوماً، وألقى ما لا يقل عن 14 خطاباً الجمعة والسبت في إسطنبول.
ويتم التركيز بصورة خاصة على 30 بلدية كبرى في مدن تشكل الرئة الاقتصادية للبلاد، حيث تجري معارك حامية ولا سيما في بورصة (شمال غرب) وأنطاليا (جنوب).
لكن الانتباه يبقى مركزاً بصورة خاصة على العاصمة أنقرة، وإسطنبول القلب الاقتصادي والديمغرافي لتركيا.
وسجل وقوع بعض الحوادث الأمنية في البلاد خلال هذا اليوم الانتخابي، كان أبرزها شجار أمام مركز اقتراع في مدينة ملطية (شرق) تحول إلى إطلاق نار أسفر عن مقتل شخصين بحسب السلطات التركية، فيما اعتقل 4 أشخاص.
"الاقتصاد انتهى!"
وعمد أردوغان إلى إرسال رئيس وزرائه السابق بن علي يلديريم إلى إسطنبول، سعياً لتفادي هزيمة مذلة في هذه المدينة التي نشأ فيها وكان رئيس بلديتها بين 1994 و1998.
وفي أنقرة، حيث أرسل الرئيس وزيراً سابقاً، يبدو الوضع أكثر تعقيداً في ضوء استطلاعات للرأي يتصدرها مرشح المعارضة منصور يافاس بفارق واضح.
وأعلن الأخير قبل أن يدلي بصوته في العاصمة "بمشيئة الله، سنحصل على نتيجة جيدة. لا شيء أهم من إرادة الناخبين".
ووجه الوضع الاقتصادي خيار العديد من الناخبين، مع بلوغ التضخم نسبة 20% أضرت بشدة بالقدرة الشرائية للأتراك.
وقال حسنو أكار بعد تصويته لمصلحة المعارضة في حي بيلكدوزو في إسطنبول "الاقتصاد سيء، الاقتصاد انتهى!".
وإدراكاً منه للمشكلة، طلب أردوغان من بلديتي إسطنبول وأنقرة فتح محال للخضر والفاكهة بأسعار مخفضة.
لكن بدل أن يتناول الصعوبات الاقتصادية التي ينسبها إلى "عملية من الغرب"، ركز أردوغان حملته على المسائل الأمنية، محذراً من خطر إرهابي يحاصر البلاد، ومن قوى معادية تهددها.
وأعلن خلال تجمع انتخابي السبت، في إسطنبول أن التصويت الأحد، لن يكون على "سعر الباذنجان أو الطماطم أو الفلفل (...) إنها انتخابات من أجل بقاء البلاد".
وتواجه ائتلافان الأحد، هما ائتلاف حزب العدالة والتنمية وحليفه حزب الحركة القومية (قومي متشدد) من جهة، وحزب الشعب الجمهوري (اجتماعي ديمقراطي) وحزب "إيي" اليميني من جهة أخرى.
ويحظى الائتلاف الأخير بتأييد حزب الشعوب الديمقراطي (المناصر لقضايا الأكراد) الذي لم يقدم مرشحين لإسطنبول وأنقرة لتفادي تشتيت أصوات المعارضة.
وقسمت حملة هذه الانتخابات، الثامنة ضمن سلسلة مرهقة من الاستحقاقات منذ عام 2014، البلاد مرةً جديدة.
ويتهم أردوغان معارضيه بالارتباط بـ "الإرهاب". وفي سياق اتهامه أحد المعارضين بأنه يؤيد أيديولوجيا منفذ الهجوم ضد مسجدين في نيوزيلندا، عرض أردوغان مقطعاً من فيديو الاعتداء خلال لقاء انتخابي.
كذلك، افتقرت شروط الحملة الانتخابية إلى التوازن، إذ قامت المحطات التلفزيونية بنقل جميع خطابات أردوغان اليومية بكاملها، من دون أن تخصص كثيراً من الوقت لمعارضيه.
أ ف ب + رويترز