أدلى الناخبون في المغرب الأربعاء، بأصواتهم في انتخابات عامة سجّلت ارتفاعاً في نسبة المشاركة وندّد حزب العدالة والتنمية الإسلامي، الذي ينافس على الفوز بها والاستمرار في قيادة الحكومة لولاية ثالثة، بوجود "خروقات خطيرة" فيها.
وبلغت نسبة المشاركة في الاقتراع 50.18% وفق ما أعلنت وزارة الداخلية في بيان ليل الأربعاء. علما أن الاقتراع شمل للمرة الأولى في تاريخ المملكة في اليوم نفسه الانتخابات البرلمانية (395 مقعدا) والمحلية والجهوية (أكثر من 31 ألفاً)، ما ساهم في رفع نسبة المشاركة.
وكانت هذه النسبة استقرّت في حدود 43% في آخر انتخابات برلمانية قبل خمسة أعوام.
وسجّلت أعلى نسب المشاركة في الجهات الجنوبية للمملكة، التي تضم أيضا الصحراء الغربية المتنازع عليها مع جبهة البوليساريو، بحسب الأرقام الرسمية
وقبيل إغلاق مكاتب الاقتراع أعلن حزب العدالة والتنمية أنه سجّل "استمرار التوزيع الفاحش للأموال في محيط عدد من مراكز التصويت، دون تدخّل السلطات المعنية".
وأشار الحزب في بيان إلى "ارتباك في لوائح التصويت بعدد من المكاتب مما حرم عدداً من الناخبين من القيام بواجبهم"، داعياً السلطات إلى "التصدي لهذه الخروقات الخطرة بصرامة تحسّباً (...) للمسّ بسلامة العملية الانتخابية ونزاهتها".
من جهتها أكّدت وزارة الداخلية بعد إغلاق مراكز التصويت أن "عملية الاقتراع جرت على العموم في ظروف عادية على صعيد كافة جهات المملكة"، "باستثناء بعض الحالات المعزولة جدا، التي همّت عدداً محدوداً من مكاتب التصويت".
وأفادت وسائل إعلام محليّة أن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت سيعلن عن النتائج الأولية بعيد منتصف الليل، على أن تصدر النتائج النهائية الخميس.
مركزية القرار
ويراهن الحزب الإسلامي المعتدل على الاستمرار في رئاسة الحكومة الائتلافية التي يتولاها منذ 10 أعوام، في أعقاب احتجاجات حركة 20 فبراير 2011 المطالبة "بإسقاط الفساد والاستبداد"، من دون السيطرة على الوزارات الأساسية.
ويعين الملك محمد السادس بعد الانتخابات رئيس وزراء من الحزب الذي يحصل على الكتلة الأكبر في البرلمان، ويفترض أن يشكّل رئيس الحكومة المكلف حكومة جديدة لخمسة أعوام.
ويمنح الدستور الذي أقرّ في سياق الربيع العربي العام 2011 صلاحيات واسعة للحكومة والبرلمان. لكنّ الملك يحتفظ بمركزية القرار في القضايا الاستراتيجية والمشاريع الكبرى التي لا تتغير بالضرورة بتغيّر الحكومات.
وفي غياب استطلاعات للرأي حول توجّهات الناخبين، تشير تقديرات وسائل إعلام محلية إلى تركز المنافسة حول رئاسة الحكومة المقبلة بين الإسلاميين وحزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة المعاصرة المحسوبين على الليبراليين. كذلك يخوض المنافسة حزب الاستقلال (يمين وسط).
وبعد حملة انتخابية باردة غابت عنها التجمعات الكبرى بسبب جائحة كورونا، تصاعدت حدة المواجهة في الأيام الأخيرة بين الإسلاميين وحزب التجمّع الوطني للأحرار بقيادة رجل الأعمال الثري عزيز أخنوش، الذي يوصف بالمقرّب من القصر.
واهتمّت وسائل الإعلام المحلية في هذا الصدد بدخول رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران (العدالة والتنمية) قبل يومين من موعد الاقتراع على خط الجدال، موجّهاً انتقادات لاذعة لأخنوش.
وخاطب بنكيران أخنوش قائلا إنّ "رئاسة الحكومة تحتاج شخصية سياسية نزيهة نظيفة ليس حولها شبهات".
في المقابل، وصف أخنوش الذي يتولى وزارة الزراعة منذ 2007، هذه التصريحات بأنّها "إقرار بالهزيمة" و"تستهدف فقط التشويش".
وقبل خمسة أعوام، لعب أخنوش دورا رئيسيا في تشكيل الحكومة المنتهية ولايتها فارضا شروطا رفضها رئيس الحكومة المكلف آنذاك عبد الإله بنكيران لأشهر.
وانتهت الأزمة بإعفاء بنكيران من طرف الملك وتعيين الرجل الثاني في الحزب سعد الدين العثماني مكانه. وقبل العثماني بشروط أخنوش، ما أضعف الإسلاميين.
اتهامات
وسبق أن شهدت الحملة الانتخابية، التي استغرقت أسبوعين، توجيه اتهامات باستعمال المال لشراء أصوات ناخبين ولاستقطاب مرشحين. ودان حزب العدالة والتنمية ذلك في مناسبات عدة، لكن من دون تسمية أي طرف.
وفي حين وجّه الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة عبد اللطيف وهبي الاتهام مباشرة إلى حزب التجمع بالمسؤولية عن "إغراق" الساحة بالمال، ردّ عليه الأخير مدينا "ضرب مصداقية الانتخابات".
وكان حزب الأصالة والمعاصرة لسنوات الخصم الرئيسي للإسلاميين منذ أسسه مستشار الملك محمد السادس فؤاد عالي الهمة العام 2008، قبل أن يغادره في 2011. لكنه فشل في هزمهم العام 2016.
وشهدت علاقات الحزب الذي يشكل ثاني كتلة في البرلمان (معارضة)، مع الإسلاميين تحسناً في الفترة الأخيرة.
عموما، يرتقب أن يتراجع عدد مقاعد الأحزاب الكبرى في البرلمان المقبل بسبب نمط جديد لاحتساب الأصوات قياسا على مجموع المسجلين في القوائم الانتخابية، سواء شاركوا في الاقتراع أم لا، بينما ظل هذا الحساب يستند فقط على عدد المقترعين منذ أول انتخابات أجريت في المغرب العام 1960.
وكان حزب العدالة والتنمية الوحيد الذي عارض هذا "القاسم الانتخابي" الجديد كما سمّي. ويرتقب أن يفقد بسببه، وفق تقديرات مختلفة، 30 إلى 40 مقعداً حتى في حال حصوله على عدد الأصوات التي حصدها قبل خمسة أعوام ومنحته 125 مقعداً، ما من شأنه أن يعقد مهمته في تشكيل حكومة إذا تصدّر النتائج.
وأظهرت مجريات الحملة الانتخابية غياب استقطاب واضح حول الخيارات السياسية والبرامج. وأيا تكن النتائج، من المنتظر أن يتبنّى جلّ الأحزاب السياسية ميثاقاً من أجل "نموذج تنموي جديد" يدشّن "مرحلة جديدة من المشاريع والإصلاحات" في أفق العام 2035، وفق ما أكد الملك محمد السادس في خطاب مؤخراً.
وتنافس حوالى 30 حزبا على نيل أصوات قرابة 18 مليون مغربي مسجّلين في القوائم الانتخابية، علماً أنّ عدد البالغين سن التصويت يقارب 25 مليونا من أصل 36 مليوناً هو إجمالي عدد سكان المملكة.
أ ف ب