أعلنت إيران الاثنين أن مخزونها من اليورانيوم المنخفض التخصيب تجاوز الحد الذي يسمح به الاتفاق النووي الذي وقعته عام 2015 مع القوى الكبرى، وذلك في أول خطوة كبرى على طريق انتهاكها للاتفاق منذ أن انسحبت منه الولايات المتحدة قبل أكثر من عام.
وقال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، الذي أعلن عن هذه الخطوة، إنها لا تصل إلى حد انتهاك الاتفاق، مشيرا إلى أن إيران تمارس حقها في الرد على الانسحاب الأميركي.
وقد يكون لهذه الخطوة عواقب بعيدة المدى على الدبلوماسية في وقت تحاول فيه الدول الأوروبية تجنب نشوب حرب بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك بعد أقل من أسبوعين من تراجع واشنطن عن توجيه ضربات جوية للجمهورية الإسلامية في اللحظة الأخيرة.
وحثت القوى الأوروبية، التي لا تزال جزءا من الاتفاق وتحاول الحفاظ عليه، إيران على عدم اتخاذ خطوات أخرى من شأنها أن تنتهك الاتفاق. لكنها أحجمت عن الإعلان عن بطلان الاتفاق أو فرض عقوبات من جانبها.
وأكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة والتي تراقب برنامج إيران النووي بموجب الاتفاق أن طهران تخطت ذلك الحد.
وأوضح تقرير أرسلته الوكالة إلى الدول الأعضاء وحصلت عليه رويترز أن مخزون إيران بلغ 205 كيلوجرامات في حين يبلغ الحد المنصوص عليه في الاتفاق النووي 202.8 كيلوجرام.
وكتب ظريف يقول "الفقرة 36 من الاتفاق توضح السبب. لقد قمنا بتفعيل الفقرة 36 بعد انسحاب الولايات المتحدة. منحنا (القوى الخمس الأخرى) أسابيع قليلة مع احتفاظنا بحقنا. تحركنا أخيرا بعد 60 أسبوعا".
وأضاف "بمجرد وفاء القوى الأوروبية الثلاث بالتزاماتها سوف نلغي الزيادة (في المخزون)" في إشارة إلى بريطانيا وألمانيا وفرنسا التي تطالبها إيران بضمان وصولها إلى التجارة العالمية حسب ما ورد في الاتفاق.
وتمثل الخطوة التي أقدمت عليها إيران اختبارا للدبلوماسية الأوروبية بعدما كان مسؤولون فرنسيون وبريطانيون وألمان قد تعهدوا برد دبلوماسي قوي إذا انتهكت إيران الاتفاق بصورة جوهرية.
وناشد الأوروبيون، الذين عارضوا قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي الموقع في عهد سلفه باراك أوباما، إيران مواصلة الالتزام به.
وتقول إيران إنها تستهدف الحفاظ على الاتفاق لكن لا يمكنها الالتزام ببنوده لأجل غير مسمى ما دامت العقوبات التي فرضها ترامب تحرمها من المزايا التي من المفترض أن تحصل عليها في مقابل القيود على برنامجها النووي وفقا للاتفاق.
وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن الأمين العام للمنظمة الدولية أنطونيو غوتيريش يشعر بالقلق إزاء تحركات إيران.
وأضاف للصحفيين "قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بتحرك من هذا القبيل لن يساعد في الحفاظ على الخطة (الاتفاق) ولن يضمن مزايا اقتصادية ملموسة للشعب الإيراني. من الضروري أن يتم التعامل مع هذه القضية.. من خلال الآلية التي حددتها خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)".
وأبلغ دبلوماسي أوروبي رويترز بأن هناك آلية حددها الاتفاق للتعامل مع "أي مخالفات" وأن لجنة مشتركة من الدول الموقعة هي من سيقرر الخطوات التالية.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن على الدول الأوروبية "التمسك بالتزاماتها" وأن تفرض "عقوبات فورية" على إيران.
وفي لندن، ذكر متحدث باسم رئيسة الوزراء تيريزا ماي أن بريطانيا تدرس على نحو عاجل خطواتها التالية مع شركائها وحث إيران على "العدول عن هذه الخطوة". وعبر وزير الخارجية جيريمي هنت عن "القلق الشديد" إزاء إعلان إيران.
"حرب اقتصادية"
كانت إيران قد أعلنت في أيار/مايو أنها ستسرع وتيرة إنتاج اليورانيوم المخصب ردا على تشديد إدارة ترامب العقوبات عليها في ذلك الشهر. وطلبت واشنطن من جميع الدول وقف شراء النفط الإيراني وإلا واجهت عقوبات، وهو ما تصفه طهران بأنها "حربا اقتصادية" تستهدف تجويع شعبها.
واتخذت المواجهة بعدا عسكريا في الشهرين اللذين أعقبا تشديد الولايات المتحدة العقوبات بعد تحميل واشنطن طهران مسؤولية هجمات على سفن وإسقاط إيران طائرة أمريكية مسيرة. وأمر ترامب بضربات جوية انتقاما قبل أن يتراجع عنها قبل دقائق من التنفيذ.
ويفرض الاتفاق النووي قيودا على كل من حجم اليورانيوم الذي يمكن لإيران امتلاكه ودرجة نقاء تلك المخزونات، وهي قيود تستهدف إطالة المدة التي تحتاجها إيران لصنع قنبلة نووية إذا سعت لذلك.
وقال ظريف إن خطوة إيران التالية ستكون التخصيب فوق مستوى 3.6%، وهي عتبة سبق أن قالت إيران إنها ستتجاوزها في 7 تموز/ يوليو.
وتخصيب اليورانيوم إلى مستوى منخفض نسبته 3.6% هو أول خطوة في عملية ربما تستخدم لإنتاج يورانيوم أعلى تخصيبا يمكن استخدامه لإنتاج سلاح نووي.
وتمثل تحركات إيران حتى الآن اختبارا محسوبا على ما يبدو لآليات تطبيق الاتفاق والرد الدبلوماسي.
وقالت ويندي شيرمان، كبيرة مفاوضي أوباما بشأن الاتفاق والتي تعمل حاليا مديرة مركز القيادة العامة بكلية كنيدي بجامعة هارفارد "هذه خطوة اتخذها الإيرانيون ويمكن العدول عنها. يمكن لإيران مع الشركاء المتبقين تحديد كيف سيمضون قدما".
وأضافت أن هذا في حد ذاته لا يمكن أن يخفض الفترة اللازمة لصنع سلاح نووي وهو أمر جوهري.
تجنب إيران
وعقد المسؤولون الأوروبيون محادثات في اللحظة الأخيرة مع مبعوثين إيرانيين الأسبوع الماضي على أمل إقناعهم بألا يتجاوزوا تلك الحدود. وفشلت تلك المحادثات، إذ قالت إيران إن الجهود الأوروبية لحمايتها من أثر العقوبات الأميركية غير كافية.
ويقول الأوروبيون إنهم يستهدفون مساعدة إيران على دعم اقتصادها. لكن تلك الجهود فشلت حتى الآن في ظل تجنب مشتري النفط إيران وإلغاء جميع الشركات الأجنبية الكبرى خططا للاستثمار فيها خشية مخالفة القواعد الأميركية.
وتطالب الولايات المتحدة الدول الأوروبية بضمان التزام إيران بالاتفاق الذي رفضته واشنطن نفسها.
ويقول ترامب إن الاتفاق ضعيف أكثر مما ينبغي لأن بعض شروطه غير دائمة ولأنه لا يغطي القضايا غير النووية مثل برنامج إيران الصاروخي وسلوكها في المنطقة. وتقول واشنطن إن العقوبات تستهدف إعادة طهران إلى مائدة التفاوض.
أما إيران فتقول إنه لا يمكنها الدخول في محادثات ما دامت واشنطن تتجاهل الاتفاق الذي وقعته بالفعل.
وتؤيد إسرائيل، التي تعتبر البرنامج النووي الإيراني تهديدا وجوديا لها، نهج ترامب المتشدد تجاه إيران، شأنها في ذلك شأن حلفاء للولايات المتحدة بينهم دول خليجية عربية تعتبر الجمهورية الإسلامية عدوا وتستفيد من إبعادها عن أسواق النفط العالمية.
وحث جوزيف كوهين رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) المجتمع الدولي على منع إيران من "تسريع وتيرة التخصيب".
وقال في مؤتمر أمني في هرتزليا قبل تصريحات ظريف "تخيلوا ما سيحدث إذا أصبح مخزون المواد لدي الإيرانيين قابلا للانشطار على مستوى التخصيب للأغراض العسكرية، ثم على مستوى الاستخدام في قنبلة بالفعل. سيكون الشرق الأوسط، ومن بعده العالم بأسره، مكانا مختلفا".
رويترز