جارى البحث

دهاليز تحول مينسك إلى قبلة للمهاجرين تحت ستار السياحة

رويترز: وكالة سفريات وشركة طيران تديرهما الدولة سهلت رحلة المهاجرين
تاريخ الإنشاء: 15-11-2021 14:58
| آخر تحديث: منذ سنة
| دقائق القراءة: 7
دهاليز تحول مينسك إلى قبلة للمهاجرين تحت ستار السياحة
مهاجر يحمل طفلاً عند معبر حدودي على الحدود البيلاروسية البولندية في منطقة غرودنو في بيلاروس، 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2021. (رويترز)

عندما سافر كرمان محمد مع زوجته وأبنائه الثلاثة إلى مينسك عاصمة بيلاروس الشهر الماضي من مدينتهم في شمال العراق دخلتها الأسرة تحت ستار السياحة.

وتبين وثائق وروايات شهود أن أسرة محمد كانت ضمن آلاف حصلوا على تأشيرات سياحية في الشهور الأخيرة بمساعدة وكالات للسفريات في الشرق الأوسط تعمل من خلال شراكة مع شركات سياحية في بيلاروس.

لم تكد تمضي أيام على وصول الأسرة إلى مينسك حتى شقت طريقها إلى الحدود الفاصلة بين بيلاروس وبولندا لتنضم إلى موجة من العراقيين والسوريين والأفغان وغيرهم ممن يحاولون العبور المحفوف بالمخاطر، بل القاتل في بعض الأحيان، إلى الاتحاد الأوروبي تطلعا لبدء حياة جديدة.

قال محمد يوم الخميس الماضي وهو يجلس في بيته في مدينة السليمانية في شمال العراق "الطائرات تنقل السياح المتوجهين للسياحة".

وأضاف "حكومة بيلاروس تعلم جيدا أن هؤلاء الناس ليسوا سياحا لكنهم ذاهبون إلى الحدود البولندية".

وصل محمد وأسرته إلى بولندا بالفعل لكنهم لم يمكثوا فيها سوى فترة قصيرة. ورُحلوا إلى العراق يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول لتصبح الأسرة دليلا حيا على أن إنفاق آلاف الدولارات والمخاطرة بالأرواح لا يضمن الاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

ولم تستطع رويترز التحقق من صحة روايته.

وغذت أزمة المهاجرين التوترات بين الغرب وروسيا حليفة بيلاروس. وأرسلت موسكو قاذفات ذات قدرات نووية لكي تراقب سماء بيلاروس وأعربت الدول المتاخمة لبيلاروس عن انزعاجها من احتمال تصاعد الأزمة إلى مواجهة عسكرية.

واتهم الاتحاد الأوروبي رئيس بيلاروس ألكسندر لوكاشينكو بتدبير طوفان المهاجرين للضغط على الاتحاد بقصد التراجع عن عقوبات مفروضة على حكومته.

ونشرت بولندا وليتوانيا وثائق اطلعت عليها رويترز يقول البلدان، إنها تثبت أن شركة سفر واحدة على الأقل تملكها دولة بيلاروس سهلت للراغبين في الهجرة زيارتها بدءا من شهر مايو/أيار، في حين رفعت شركة طيران تابعة للدولة عدد رحلاتها بأكثر من المثلين على مسار رائج يستخدمه الساعون للحصول على اللجوء.

وينفي لوكاشينكو تسهيل الأزمة رغم أنه قال لن أمنع المهاجرين بعد الآن بسبب العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي بعد انتخابات موضع نزاع أجريت في العام الماضي وحملة تضييق تبعتها على المحتجين.

وحاورت رويترز أكثر من 30 شخصا بين مهاجر أو راغب في الهجرة من الشرق الأوسط أثناء إعداد هذا التقرير في مدنهم الأصلية وعلى الحدود بين روسيا البيضاء وبولندا وفي مراكز المهاجرين في بولندا.

من هذا العدد حدد نحو 20 فردا طبيعة التأشيرات التي سافروا بها وقالوا جميعا إنها تأشيرات سياحية. وأظهرت الوثائق التي نشرتها بولندا أن قرابة 200 عراقي حصلوا على دعم في إصدار التأشيرات من شركة سفريات تديرها الدولة في بيلاروس للسفر من أجل الصيد البري وأغراض أخرى.

وتحدث مهاجرون ووكلاء سفريات في العراق وتركيا عن السهولة النسبية التي حصلوا بها على وثائق للسفر إلى بيلاروس في الشهور الأخيرة.

ورغم التكلفة التي أوضح مهاجرون عراقيون أنها تراوحت بين 1250 و4000 دولار للوصول إلى مينسك، فأكمل الآلاف الرحلة بالحصول على التأشيرات بمساعدة شركات من بيلاروس، واستقلال رحلات جوية تجارية بعد أن تزايدت وتيرتها منذ فصل الربيع.

وساعدت في تحقق هذه الزيادة في أعداد المهاجرين وكالات سفريات وشركات صغيرة ومهربون وسائقون يسعون لتحقيق الاستفادة المالية وذلك وفقا لما قاله مسافرون متجهون إلى الحدود أو وصلوا إليها بالفعل.

وقال عدد من المهاجرين قرب الحدود لرويترز، إن حرس الحدود في بيلاروس ساعدهم في العبور إلى بولندا أو غض الطرف عنهم وهم يحاولون العبور. وقال اثنان من المهاجرين في لقاءين منفصلين إن حرس الحدود سلمهما أدوات لقطع الأسلاك.

ولم ترد السلطات في بيلاروس على طلبات للتعليق على الاتهامات الموجهة لها بأنها سهلت أزمة المهاجرين.

غير أن وزارة الخارجية في بيلاروس قالت الاثنين، إن الاتهامات بأن مينسك دبرت الأزمة على حدودها مع الاتحاد الأوروبي "منافية للعقل".

ونقلت وكالة الإعلام الروسية عن الوزارة قولها، إن بيلاروس شددت القيود على حدودها، وإن شركة طيران بيلافيا المملوكة للدولة لم تنقل مهاجرين مخالفين للقوانين.

طريق أكثر أمنا إلى أوروبا

قال معظم المهاجرين الذين حاورتهم رويترز إنهم قاموا بالرحلة لأنهم لا يرون لأنفسهم أو لأولادهم مستقبلا سواء في سوريا أو في العراق. وقال عدد قليل منهم إنهم يحاولون دخول الاتحاد الأوروبي للحاق بأصدقاء أو أقارب سبقوهم إليه.

ورأى المهاجرون فرصة للوصول إلى أوروبا برا بدلا من الرحلة البحرية المحفوفة بالمخاطر لاسيما عند السفر مع أطفال صغار. وقرأ هؤلاء عبر منصات التواصل الاجتماعي أن التأشيرات أصبحت متاحة بسهولة.

وعرض وسطاء ووكلاء خدماتهم عليهم.

من هؤلاء حسين الأصيل العراقي المقيم في أنقرة الذي يوفر خدمات السفر للراغبين من السياح والمهاجرين.

قال الأصيل إنه رتب دعوات لزبائنه من ثلاثة شركاء في بيلاروس وتولى استخراج تأشيرات على جوازات سفر مرسلة من العراق. وبمجرد عودة الجوازات أصبح بإمكان أصحابها السفر إلى مينسك عن طريق تركيا.

ويقول الأصيل، إن حصول العراقيين على تأشيرات سفر إلى بيلاروس قبل العام الحالي كان أصعب بكثير.

وقال إنه تقاضى 1250 دولارا عن الفرد الواحد، وزعم أن ذلك يجعل منه واحدا من أرخص وكلاء السفر.

وأضاف أن سفارة بيلاروس "بالطبع تعلم أن هذا الشخص ليس ذاهبا للسياحة. أي نوع من السياحة هذا الذي يحجز فيه المرء تذكرة طائرة مقابل 800 دولار، ويحصل على تأشيرة مقابل 1250 دولارا؟ هم يعلمون أن هؤلاء الناس قادمون للذهاب إلى أوروبا".

وازدادت وتيرة الرحلات الجوية إلى مينسك خلال فصل الربيع.

فعلى سبيل المثال سيّرت شركة بيلافيا 28 رحلة من إسطنبول إلى مينسك خلال فبراير/شباط الماضي، و31 رحلة خلال مارس/آذار. وبحلول يوليو/ تموز تجاوز عدد الرحلات المثلين إلى 65 رحلة، وذلك وفقا لبيانات موقع فلايت رادار 24 الإلكتروني لرصد الرحلات الجوية.

وتحرك الاتحاد الأوروبي للتصدي لهذه الموجة. ووسط ضغوط من بروكسل أوقفت بغداد الرحلات الجوية من العراق إلى مينسك خلال الخريف.

ويوم الجمعة، أكدت شركتا بيلافيا والخطوط الجوية التركية أنهما ستتوقفان عن نقل المسافرين من اليمن والعراق وسوريا إلى مينسك باستثناء الدبلوماسيين.

ويوم السبت قالت شركة أجنحة الشام للطيران، وهي شركة سورية خاصة، لرويترز إنها ستتوقف عن تسيير رحلات إلى مينسك.

"كل يوم أصدقاء يرحلون"

ما إن يصل المهاجرون إلى مينسك حتى يسارع أغلبهم بالانتقال إلى منطقة الحدود. قال سكان مدن إنهم رصدوا زيادة كبيرة في أعداد مسافرين ذوي ملامح شرق أوسطية ينتظرون في مراكز تجارية أو ينامون على مقاعد أو يشترون مؤنا لمواصلة رحلتهم.

قال بعض المهاجرين الذين وصلوا إلى بولندا إنهم تعرضوا للضرب على أيدي حرس الحدود في بيلاروس الذين طاردوهم عبر منطقة الحدود. وواجه هؤلاء الإرهاق والجوع والعطش والخوف.

ولم ترد سلطات بيلاروس على الفور على طلب للتعليق على هذه الاتهامات.

قالت عراقية تبلغ من العمر 26 عاما اسمها أم ملك ستلد بعد 13 أسبوعا لرويترز إنها وأسرتها حولوا مسارهم بين بولندا وبيلاروس ست مرات قبل الوصول إلى مركز للمهاجرين في مدينة بياليستوك البولندية.

وقالت إنها وزوجها وبناتهما الثلاث خاضوا في مياه يصل ارتفاعها إلى الصدر واختبأوا في غابات وسط البرد.

وقال متحدث باسم الشرطة البولندية إن الشرطة لم تنفذ أي عمليات مثل إعادة المهاجرين إلى الحدود. ولم يرد حرس الحدود البولندي والسلطات في روسيا البيضاء على طلبات للتعليق على ما قالته أم ملك.

وربما تعتبر أم ملك نفسها محظوظة.

فعدد كبير من المهاجرين لا يتمكنون من الوصول إلى الاتحاد الأوروبي ويجبرون على محاولة العودة إلى مينسك ويضطرون في بعض الأحيان لدفع رشوة في سبيل العودة إلى وطنهم.

وتوفي ثمانية أشخاص على الأقل من المهاجرين في محاولات العبور وتتزايد المخاوف على سلامة الآخرين مع اقتراب الظروف الجوية الشتوية القاسية.

ورغم تضييق الخناق على الرحلات الجوية من الشرق الأوسط إلى مينسك فقد قال فابريس ليتجيري مدير وكالة الحدود بالاتحاد الأوروبي (فرونتكس) يوم الجمعة، إن على الاتحاد الاستعداد لزيادة في أعداد المهاجرين الذين يحاولون دخوله.

وزادت الأعداد بالفعل. فقال حرس الحدود البولندي، إن أكثر من 17 ألف محاولة لعبور الحدود خلسة وقعت في أكتوبر/تشرين الأول، أي أكثر من مثلي المحاولات التي حدثت في سبتمبر/أيلول، وإن آلاف المهاجرين ينتظرون بالقرب من حدود روسيا البيضاء مع بولندا.

وفي مدينة سيد صادق بشمال العراق قال الحلاق ورزار إبراهيم، إن عشرات من مدينته رحلوا عن إقليم كردستان في شمال العراق قاصدين روسيا البيضاء في الأسابيع الأخيرة.

وقال إبراهيم (37 عاما) وهو أب لاثنين من الأطفال، إنه قرر الانضمام إلى المسافرين.

وأضاف "عندي طفلة في الثامنة ولا يمكنها الكتابة. لماذا؟ لأن المدرسة ليست جيدة. وبوسعي أن أرى أن حياة أطفالي لا تبدو مقبولة".

وتابع "أرى الصور كل يوم لأشخاص في الغابة لكني لست خائفا. المصاعب في بيلاروس مؤقتة. أسبوع أو أسبوعان. لكنها هنا موجودة كل يوم".

وقالت حكومة إقليم كردستان العراق لرويترز، إنها تحقق مع وكلاء السفر المحليين المتورطين في هذا النزوح وحملت الساسة والمهربين مسؤولية تفاقم الأزمة.

وقال إبراهيم، إنه دفع 1600 دولار عن كل فرد في أسرته المكونة من أربعة أفراد للذهاب إلى مينسك. وقال بعض الراغبين في الهجرة إنهم باعوا أرضا أو بيوتا لسداد تكاليف السفر والفنادق وعمولات المهربين والرشوة.

وأضاف إبراهيم "كل يوم تجد صديقا مقربا يرحل. يعرف كل منكما الآخر منذ 20 عاما ثم يرحل إلى روسيا البيضاء، ولا تعرف ماذا سيحدث له. وهذا صعب. لكني أقول مع ذلك سأذهب. وأنا راحل؛ لأن الوضع هناك أفضل من هنا".

رويترز

التصنيفات: