شارك نحو 70 رئيس دولة وحكومة في باريس الأحد في مراسم إحياء مئوية توقيع الهدنة التي أنهت الحرب العالمية الأولى، في تجمع حذر من خلاله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من النزعة القومية ودعا إلى نبذ "الانطواء والعنف والهيمنة" في وقت يتصاعد التوتر بين أوروبا وواشنطن.
وحضر المراسم الرؤساء الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والعاهل المغربي محمد السادس ورئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو ونظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وانتقل بعدها القادة إلى قوس النصر الذي يشرف على جادة الشانزيليزيه الشهيرة والذي أقيم تحته ضريح الجندي المجهول، وأضيئت شعلة لا تنطفئ للتذكير بحجم هذا النزاع الذي أسفر عن مقتل 18 مليون شخص.
وأدى عازف التشيلو "يو يو ما" معزوفة تليت بعدها شهادات من الحرب تعود إلى 1918.
وألقى ماكرون خطاباً في المناسبة استمر لنحو عشرين دقيقة دعا فيه القادة إلى نبذ "الانطواء والعنف والهيمنة" وخوض "المعركة من أجل السلام".
وقال ماكرون "دعونا نتذكر يجب ألا ننسى (...) بعد مئة عام مذبحة لا تزال آثارها مرئية أمام العالم (...) دعونا نوحد آمالنا بدل أن نضع مخاوفنا في مواجهة بعضها".
وانتقد ماكرون النزعة القومية التي يؤيدها ترامب مراراً وقال إن "الوطنية هي نقيض القومية تماماً. القومية هي خيانة" الوطنية.
وقال أمام حشد شمل الرئيسين الأميركي والروسي "بإمكاننا معاً التصدي لهذه التهديدات المتمثلة في شبح الاحتباس الحراري وتدمير البيئة والفقر والجوع والمرض وعدم المساواة والجهل".
واختتمت المراسم بإعادة إطلاق البوق الذي أعلن الساعة 11:00 من صباح 11 نوفمبر انتهاء الحرب العالمية الأولى.
وتم نشر نحو عشرة آلاف عنصر لضمان أمن الحفل. وتعود المرة الأخيرة التي استقبلت فيها باريس هذا العدد من القادة إلى 11 يناير 2015، بعد اعتداءين إسلاميين في باريس.
ولاحقاً أكد وزير الداخلية الفرنسي كريستوف كاستانيه أن أمن ترامب "لم يتهدد بأي حال من الأحوال".
دفاع أوروبي مستقل
وفي مقابلة مع قناة "سي أن أن" الأميركية الأحد قال الرئيس الفرنسي إن على أوروبا أن "تبني استقلالية" دفاعها بدلاً من شراء الأسلحة من الولايات المتحدة.
وأوضح ماكرون في المقابلة التي أجراها باللغة الإنجليزية بحسب مقاطع منها "لا أريد رؤية الدول الأوروبية ترفع من ميزانيات الدفاع لشراء أسلحة أميركية أو أخرى أو معدات من إنتاج صناعتكم".
وندد الرئيس الأميركي الجمعة بعيد وصوله إلى باريس، بتصريحات نظيره الفرنسي حول إنشاء جيش أوروبي بوجه قوى مثل روسيا والصين وحتى الولايات المتحدة، معتبرا أن اقتراحه "مهين جداً".
لكن ماكرون أبدى السبت حفاوة كبيرة عند استقباله ترامب في قصر الإيليزيه.
وأكد الرئيس الفرنسي في المقابلة أنه يشاطر نظيره الأميركي الرغبة في "تقاسم أفضل للعبء" المالي للحلف الأطلسي بين الأوروبيين والأميركيين.
وأوضح ماكرون "أنا موافق على ذلك وبهدف تقاسم أفضل للعبء".
ويحض ترامب بانتظام الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف الأطلسي على زيادة نفقاتها العسكرية معتبراً أن واشنطن تدفع قسماً كبيراً من ميزانية الحلف.
ومساء الأحد، أشاد ترامب بـ"الأميركيين الشجعان" والجنود الفرنسيين الذين قاتلوا إلى جانبهم وذلك لدى زيارته المقبرة الأميركية قرب باريس تكريماً للجنود الذين سقطوا في هذه الحرب.
مراسم تذكارية حول العالم
كذلك شهدت مختلف دول العالم بينها نيوزيلندا وأستراليا والهند وهونغ كونغ وبورما احتفالات في الذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية التي شارك فيها ملايين الجنود من دول كانت خاضعة للاستعمار في آسيا وإفريقيا.
ووجه قادة دول الكومنولث التي كان جنودها تحت القيادة البريطانية قبل مئة عام رسائل للسلام.
وقال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على تويتر إن "هذه الحرب التي لم تكن الهند منخرطة فيها بشكل مباشر شارك فيها جنودها من أجل قضية السلام".
وفي كانبيرا قال رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون "لقد ضحوا بحاضرهم من أجل مستقبلنا".
وشاركت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي والأمير تشارلز ممثلا الملكة إليزابيث الثانية في احتفال تذكاري في لندن تكريماً للجنود الذين سقطوا خلال الحرب، شهد أول مشاركة رسمية ألمانية حيث حضر الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير ووضع إكليلاً من الورد عند النصب التذكاري في لندن لقتلى الحربين العالميتين.
منتدى حول السلام
وفي شرق باريس التقى قادة وممثلو منظمات غير حكومية ومستثمرون وأعضاء المجتمع المدني لبحث الحوكمة العالمية مع رسالة سياسية واضحة لصالح المقاربة المتعددة الأطراف التي تشكل المرتكز الأيديولوجي للعلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وفي المنتدى حذّرت ميركل من قومية ضيقة الأفق ومن خطر تشكيك البعض في "مشروع السلام الأوروبي".
كذلك حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من وجود أوجه شبه بين ما نعيشه اليوم ومطلع القرن العشرين وثلاثينيات القرن الماضي من جهة أخرى ينذر بخطر "وقوع سلسلة أحداث لا يمكن التكهن بما يمكن أن ينجم عنها".
وفي مقال نشر الأحد في صحيفة "جورنال دو ديمنش" كتب جيم يونغ كيم رئيس البنك الدولي أن "النظام المتعدد الأطراف أساسي لتنمية وتمويل جهود مكافحة تهديد التغير المناخي".
لكن أول من يرفض هذا النموذج في الحوكمة دونالد ترامب اختار عدم المشاركة في المنتدى الذي يستمر حتى الثلاثاء.
أ ف ب