تصاعدت المخاوف الجمعة، حيال عدم تنفيذ طالبان وعودها بالتسامح بعد نشر وثيقة سرّية للأمم المتحدة كشفت أنّ الحركة كثّفت ملاحقة الأفغان الذين عملوا مع القوات الأجنبية في بلدهم.
توازيًا، أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن الجمعة أنّه لا يستطيع ضمان "النتيجة النهائيّة" لعمليّة الإجلاء في كابل، معتبرًا أنّها واحدة "من الأصعب في التاريخ" بعد عشرين عامًا من التدخّل العسكري الأميركي في أفغانستان.
وجاء في التقرير الذي وضعته مجموعة خبراء بتقييم المخاطر، لحساب الأمم المتحدة، أنّ طالبان وضعت "لوائح ذات أولويّة" للأفراد الذين تريد توقيفهم، رغم وعودها بعدم الانتقام.
والأكثر عرضة للخطر هم مَن شغلوا مناصب مسؤوليّة في صفوف القوّات المسلّحة الأفغانيّة والشرطة والاستخبارات، وفق التقرير.
منذ سيطرتها على الحكم إثر هجوم عسكري خاطف، حاولت الحركة إقناع العالم والأفغان بأنّها لا تسعى إلى الانتقام من أعدائها السابقين وبأنّها تنوي العمل على مصالحة وطنيّة.
ووعدت بأنّه ستكون هناك "اختلافات كثيرة" في طريقة حكمها مقارنة بحكمها السابق بين 1996 و2001، عندما فرضت رؤيتها المتشدّدة للشريعة، فمنعت النساء من العمل والتعليم وفرضت عقوبات فظيعة على اللصوص والقتلة.
لكنّ تقرير الأمم المتحدة يوضح أنّ الحركة تُجري "زيارات هادفة لمنازل" الذين تريد توقيفهم ولمنازل أفراد عائلاتهم.
وجاء في التقرير أنّ الحركة تُدقّق في الأشخاص الراغبين بالوصول إلى مطار كابل، وأقامت نقاط تفتيش في المدن الكبرى بما في ذلك العاصمة كابل وجلال آباد.
وأوضح مدير المجموعة كريستيان نيلمان لوكالة فرانس برس "نتوقّع أن يتعرّض الأفراد الذين تعاملوا مع القوّات الأميركيّة والأطلسيّة وحلفائها، وكذلك أفراد عائلاتهم، للتعذيب والإعدام".
وقام عناصر من طالبان يبحثون عن صحافي يعمل لحساب "دويتشه فيله" ويقطن حالياً في ألمانيا، بقتل أحد أفراد عائلته بالرصاص الأربعاء في أفغانستان وإصابة فرد آخر بجروح بالغة، وفق ما ذكرت هذه الوسيلة الإعلامية الألمانية على موقعها الإلكتروني.
وقال وزير الداخلية السابق مسعود أندرابي لإذاعة "تايمز" البريطانية "إنّهم يقومون بمطاردات تشبه الانتقام، خصوصاً بحقّ ضباط الأمن والاستخبارات الوطنيّة، هذا ما يَرِدني من أخبار".
تُردّد طالبان أنّها تمنع عناصرها من دخول المنازل بدون تلقّي أوامر بذلك.
وأكد أحد كبار قادة الحركة نزار محمد مطمئن أنّ هذه التعليمات لا تزال سارية. وكتب في تغريدة "البعض ما زالوا يقومون بذلك، ربما بدافع الجهل"، مؤكّدًا أنّ هذا "مخزٍ" للحركة.
"النتيجة النهائية" لعملية الإجلاء
يأتي ذلك في وقتٍ أعلن بايدن الجمعة أنّه لا يستطيع ضمان "النتيجة النهائيّة" لعمليّة الإجلاء في كابل، معتبرًا أنها واحدة "من الأصعب في التاريخ" بعد عشرين عامًا من التدخل العسكري الأميركي في أفغانستان.
وقال خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض "عمليّة الإجلاء هذه خطرة. إنّها تنطوي على أخطار بالنسبة إلى قوّاتنا المسلّحة وتنفّذ في ظروف صعبة".
وأضاف محاطًا بنائبته كامالا هاريس وبوزيري الخارجيّة أنتوني بلينكن والدفاع لويد أوستن ومستشار الأمن القومي جايك سوليفان، "لا استطيع أن أعِد بما ستكون عليه النتيجة النهائية".
وتدارك بايدن "لكن بصفتي قائدًا (للقوّات المسلّحة)، يمكنني أن أؤكّد لكم أنّني سالجأ إلى كلّ الوسائل الممكنة".
واستؤنفت الجمعة عمليّات إجلاء المدنيّين من مطار كابول، بعدما توقّفت لساعات عدّة جرّاء عدم قدرة القاعدة الأميركيّة في قطر على استيعاب مزيدٍ من الأشخاص، حسب ما أعلنت وزارة الدفاع الأميركيّة.
وقال الجنرال هانك تايلور، من هيئة الأركان الأميركيّة، إنّ "الرحلات استؤنفت، والرحلات العسكريّة الأميركيّة المتّجهة إلى قطر وأماكن أخرى قد أقلعت"، مشيرًا إلى أنّ تعليق الرحلات "حدث في وقتٍ باكر صباح (الجمعة) واستمرّ من ستّ إلى سبع ساعات".
من جهته، أوضح المتحدّث باسم وزارة الدفاع جون كيربي أنّ "المرافق (المخصّصة) للاستقبال في قطر كانت ببساطة قد بلغت كامل طاقتها. لم تكُن هناك أماكن إضافيّة لإرسال مزيد من الناس إلى هناك".
وقد حصلت واشنطن على ضوء أخضر من برلين، من أجل إرسال بعض ممّن تمّ إجلاؤهم، إلى ألمانيا حيث تمتلك الولايات المتحدة قواعد عسكريّة عدّة.
وأعلن مسؤول أميركي الجمعة أنّ الجيش الأميركي في أفغانستان نشر ثلاث طائرات هليكوبتر لإجلاء 169 أميركيًا لم يتمكّنوا من الوصول إلى مطار كابل.
وقال كيربي إنّ ثلاث طائرات من طراز شينوك غادرت المحيط الآمن في المطار، ووصلت إلى فندق قريب، هو فندق البارون، ونقلت الرعايا الأميركيّين.
وهذه أوّل مرّة منذ بداية الأزمة يستعرض الجيش الأميركي قدرته على مغادرة المحيط الآمن للمطار، من أجل مساعدة الراغبين في مغادرة البلاد.
والمجموعة التي تمّ إجلاؤها على متن المروحيّات كانت تعتزم السّير إلى المطار. لكنّ وجود حشود قد أعاق الوصول إلى مطار كابل، ما تسبب في إثارة قلق المسؤولين الأميركيّين.
والجنود الأميركيّون الموجودون حاليًا في المطار لتسهيل عمليّات الإجلاء، كانوا تجنّبوا حتّى الآن مغادرة محيطه الآمن منعًا لأيّ صدام مع عناصر طالبان.
ونشرت الدول الأعضاء في حلف الأطلسي ما يكفي من الطائرات لنقل الرعايا الأجانب وزملائهم الأفغان من كابل، لكنّ الوصول إلى مطار كابل يشكّل "تحدّيًا كبيرًا"، حسب ما حذّر الأمين العام للحلف الجمعة.
في كابل، يستمر آلاف الأشخاص في التهافت على المطار منذ أن سيطر مقاتلو طالبان على العاصمة. وهم عالقون بين حواجز تفتيش تابعة لطالبان وأسلاك شائكة نصبها الجيش الأميركي في المطار الذي يشكّل المخرج الوحيد لآلاف المدنيّين الأفغان الراغبين باستقلال طائرة للفرار.
ويوجد كثير من الأفغان بجوار السفارات سعيًا إلى الحصول على إذن بالإجلاء.
وطلبت طالبان من الأئمّة التحدّث عن الوحدة ودعوة الأشخاص المتعلّمين لعدم مغادرة البلاد في خطبهم أثناء صلاة الجمعة، وهي الأولى منذ استعادة الحركة الحكم.
ودعت مجموعة السبع ووكالات عدّة تابعة للأمم المتحدة، طالبان للسماح بمرور الأفغان بأمان فضلاً عن الأجانب الراغبين بالرحيل.
وتجري كثير من الدول الأخرى، ولا سيّما الأوروبية منها، عمليات إجلاء.
مقاومة
بدأت تظهر بعض المؤشّرات المتفرّقة إلى تشكّل مقاومة ضدّ طالبان. ففي أسد آباد في شرق البلاد وفي مناطق مختلفة من كابل، تحدّى متظاهرون حركة طالبان الخميس رافعين العلم الوطني في الذكرى 102 لاستقلال أفغانستان.
وقال متظاهر "طلبي إلى المجتمع الدولي (...) هو أن يوجّه اهتمامه نحو أفغانستان وألا يسمح بأن تذهب الإنجازات التي تحقّقت خلال 20 عاماً، سدى".
يعوّل الاقتصاد الأفغاني المنكوب على المساعدات الدوليّة، ولا بد لطالبان من أخذ ذلك بالاعتبار. وأعلن برنامج الأغذية العالمي أنّ "شخصًا من كلّ ثلاثة" يعاني انعدام الأمن الغذائي في البلاد بسبب عوامل عدّة مرتبطة بالحرب وتداعيات الاحترار المناخي.
وحذّرت ممثلة البرنامج في أفغانستان ماري-إيلين ماكغرورتي في مقابلة مع فرانس برس عبر الهاتف بكابل، من أنّ "الوضع كارثيّ. تشير التحليلات الأخيرة إلى أنّ 14 مليون شخص يواجهون خطر الجوع الشديد أو الحادّ".
تؤكد طالبان أنّها تعتزم إقامة "علاقات دبلوماسية جيدة" مع كل الدول، لكنّها حذّرت من أنّها لن تساوم على مبادئها الدينيّة.
وأظهرت الصين وروسيا وتركيا وإيران مؤشرات انفتاح على طالبان، فيما تنتظر الدول الغربية أن تحكم "على أفعالها".
أ ف ب