حوّل يمني في مدينة تعز جنوب غرب البلد الفقير منزله إلى مدرسة تستقبل الطلاب العاجزين عن تلقي تعليمهم في مدارس أغلقت أبوابها بسبب الحرب التي تعصف باليمن منذ سنوات.
يقع منزل عادل الشريحي في منطقة وادي السلامي الخاضعة لسيطرة قوات الحكومة المعترف بها دوليا في الجهة الغربية من مدينة تعز التي يحاصرها المتمردون الحوثيون.
وقال الشريحي لوكالة فرانس برس قرب منزله المؤلف من ثلاث طبقات "كان أمامنا خياران: إما أن يبقوا في الشارع، أو نجمعهم داخل المنزل كي يدرسوا ونحميهم من الرصاص".
أمام المنزل الإسمنتي غير المطلي، تجمّع مئات الأطفال صباحا في صفوف متوازية، ينتظرون الإعلان عن بداية اليوم الدراسي من مكبر للصوت ثبّت على سطح المبنى قرب علم اليمن ولافتة بيضاء كتب عليها بخط اليد باللون الأخضر "مدرسة النهضة".
وتلا طفل آيات من القرآن أمام زملائه وزميلاته الذين وقفوا في طوابير منفصلة للأولاد والفتيات، ثم رددوا معا النشيد الوطني واضعين يدهم اليمنى فوق مكان قلبهم قبل أن يصفقوا، ثم بدأوا بصعود الأدراج الحجرية الخمسة للدخول إلى صفوفهم.
وقال الشريحي "هذا الممكن".
وأضاف وسط ضجيج من تبقى من الطلاب في الساحة الترابية أمام المنزل "الآن نأمل من الجهات الحكومية أن تستكمل عملنا وتحول المكان (إلى مدرسة بالفعل) فالمساحة موجودة".
من دون راتب
ويشهد البلد الفقير منذ 2014 نزاعا داميا على السلطة بين قوات الحكومة المدعومة من تحالف عسكري تقوده السعودية، والمتمردين المدعومين من إيران الذين يسيطرون على العاصمة ومناطق أخرى.
وبدأ التحالف عملياته في اليمن في مارس 2015 لوقف تقدم المتمردين الحوثيين. وقتل منذ أول ضربات التحالف نحو عشرة آلاف شخص بينهم أكثر من 2200 طفل بحسب الأمم المتحدة.
وعاد طلاب في اليمن الشهر الماضي إلى المدارس التي استطاعت فتح أبوابها، لكن مئات آلاف آخرين بقوا خارج أسوارها بسبب النزاع، في حين يهدّد الانهيار الاقتصادي الناجم عن الحرب بحرمان ملايين من التعليم.
وتسبّب النزاع بتدمير الاقتصاد، وانهيار القطاع الصحي، وعجز القطاع التربوي عن إبقاء الطلاب في مدارسهم.
وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" في سبتمبر إن 2500 مدرسة من بين نحو 16 ألفا هي خارج إطار الخدمة حاليا، 66% منها تضرّرت بسبب أعمال العنف، و27% أغلقت أبوابها كليا، بينما تستخدم 7% ملاجئ لنازحين أو معسكرات لأطراف النزاع.
وحرم توقّف هذه المدارس عن التعليم 1,84 مليون طفل من الدراسة لينضموا إلى نحو 1,6 مليون طفل آخر لا يرتادون المدرسة منذ فترة ما قبل النزاع (بحسب أرقام 2017). ويبلغ عدد سكان اليمن أكثر من 27 مليون نسمة، نصفهم دون سن الـ18.
وإلى جانب هؤلاء، حذّرت "يونيسف" الشهر الماضي من أن أربعة ملايين طالب آخر يواجهون خطر الحرمان من التعليم، خصوصا في المحافظات الشمالية الخاضعة في غالبيتها لسيطرة المتمردين، بسبب عدم تلقي 67% من الأستاذة رواتبهم منذ عامين.
بالنسبة إلى صفاء محمد، الشابة التي تطوعت للتدريس في منزل الشريحي، فإن "التدريس في هذه المدرسة عمل وطني قبل أن يكون عملاً إنسانياً".
وتوضح المدرسة المنقبّة أن التعليم في هذا المنزل "اضطراري؛ لأن أطفالنا أصبحوا ضائعين من دون تعليم، كون العديد من المدارس أغلقت أبوابها منذ 2015".
وتشكو صفاء محمد من أن المدرسة تنقصها أمور كثيرة، وصفوفها مزدحمة، وقاعاتها غير مؤهلة، لكنها رغم ذلك تعمل فيها "من دون راتب".
وتقول "واصلنا التعليم هنا رغم الظروف المحيطة بنا".
شكرا
وتشير "يونيسف" إلى أن 70% من الأطفال في اليمن يعيشون مع أسرهم تحت خط الفقر، وأن أكثر من نصف 2,9 مليون نازح هم من الأطفال، في وقت يتم تزويج 72% من الفتيات قبل أن يبلغن سن الـ 18.
كما تقول المنظمة إن أكثر من 2630 طفلا جرى تجنيدهم من قبل القوات المتنازعة.
وتستقبل "مدرسة النهضة" 712 طالبا من الجنسين يتلقون تعليمهم على أيدي 28 مدرّسة ومدرّسا في صفوف مختلطة عددها 13. ويجلس الطلاب على الأرض فوق بسط ملونة وبين الجدران الإسمنتية في القاعة وقد علّقت على بعضها صورا للرئيس المعترف به عبد ربه منصور هادي.
ويدفع أهالي الطلاب مبالغ رمزية مقارنة بمدارس أخرى في مدينة تعز التي تعجز الحكومة المعترف بها عن فرض سيطرتها السياسية عليها بشكل كامل.
وتخضع بعض أحياء المدينة إلى نفوذ "حزب الإصلاح" المقرّب من جماعة الإخوان المسلمين، وأحياء أخرى لنفوذ جماعات سلفية.
وقال الطالب حافظ محمد "هذا المبنى أقرب إلينا من المدارس الأخرى. لا نستطيع دفع تكاليف المدارس الأخرى، ولذلك نقول شكرا" للمشرفين على المدرسة في منزل الشريحي.
أ ف ب