كلف الملك محمد السادس رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار ورجل الأعمال عزيز أخنوش مساء الجمعة، بتشكيل حكومة جديدة في المغرب بعد فوز حزبه بالانتخابات البرلمانية التي جرت الأربعاء، ملحقا هزيمة مدوية بإسلاميي العدالة والتنمية.
وقال بيان لوزارة القصور الملكية إن العاهل المغربي استقبل عزيز أخنوش بالقصر الملكي في فاس و"كلفه بتشكيل الحكومة الجديدة"، مشيرا إلى أن التعيين جاء "طبقا لمقتضيات الدستور وبناء على نتائج الانتخابات التشريعية" الأخيرة.
وتصدر حزب التجمع الوطني للأحرار الليبرالي نتائج الانتخابات البرلمانية بحصوله على 102 مقعد من أصل 395. بينما تراجع الإسلاميون الذين ترأسوا الحكومة في المغرب لنحو عقد إلى المرتبة الثامنة مكتفين بـ13 مقعدا مقابل 125 في البرلمان المنتهية ولايته.
وقال أخنوش للقناة العمومية الثانية عقب تكليفه "ستبدأ المشاورات من الآن لتشكيل حكومة جديدة والأهم هو أن تكون منسجمة ومتماسكة"، معتبرا تعيينه "تشريفا".
وكان أخنوش وزيرا للزراعة في الحكومة المنتهية ولايتها وشغل هذا المنصب منذ عام 2007. وتولى حزبه التجمع الوطني للأحرار وزارات أساسية في حكومة سعد الدين العثماني، مثل الاقتصاد والمالية والصناعة والسياحة.
وشارك الحزب الذي أسّسه مقرّب من الملك الراحل الحسن الثاني عام 1978 لمواجهة المعارضة اليسارية آنذاك، في الحكومات المتعاقبة منذ 23 عاما، باستثناء عام ونصف بين 2012 و2013 غاب فيها عن حكومة عبد الإله بنكيران. لكن أخنوش استمر خلالها وزيرا للزراعة، قبل أن يعود لينتخب رئيسا للحزب في 2016.
ويرتقب أن يجري مشاورات مع الأحزاب الممثلة في البرلمان لتشكيل فريق حكومي جديد، لن يكون من ضمنه حزب العدالة والتنمية الذي أعلنت قيادته الخميس اصطفافه في المعارضة.
"مستعد للعمل"
وكان رئيس الحكومة الجديد أكد الخميس، احتفالا بانتصار حزبه في الانتخابات استعداده "للعمل بثقة ومسؤولية مع كل الأحزاب التي تتقاطع معنا في المبادئ والبرامج، تحت القيادة السامية لجلالة الملك".
ويطمح أخنوش إلى تكوين "أغلبية رصينة قادرة على تفعيل التوجهات الكبرى والمشاريع المهيكلة التي أطلقها جلالة الملك وقادرة على استكمال مسار التنمية"، وفق ما أضاف مؤكدا على العمل من أجل "تحسين معيشة المواطنين".
ومن المنتظر أن تتبنى جل الأحزاب الممثلة في البرلمان ميثاقاً من أجل "نموذج تنموي جديد" يدشّن "مرحلة جديدة من المشاريع والإصلاحات" في أفق عام 2035، وفق ما أكد الملك محمد السادس في خطاب مؤخراً.
ويرسم هذا المشروع الخطوط العريضة لتحقيق نهوض اقتصادي وتقليص الفوارق الاجتماعية العميقة في المملكة، مع الطموح إلى تشجيع الاستثمار ورفع مستوى التعليم وجودة الخدمات الصحية.
وتواجه الحكومة الجديدة أيضا تحديات التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا التي سببت ركودا غير مسبوق، علما أن الملك محمد السادس سبق أن أعلن صيف 2020 عن مشروع طموح للإنعاش الاقتصادي بقرابة 12 مليار دولار.
ويمنح الدستور الذي أقرّ في سياق تلك الاحتجاجات صلاحيات واسعة للحكومة والبرلمان، لكنّ الملك يحتفظ بمركزية القرار في القضايا الاستراتيجية والمشاريع الكبرى التي لا تتغير بالضرورة بتغيّر الحكومات.
وأكدت النتائج الكاملة للانتخابات العامة التي شملت أيضا المجالس المحلية والجهوية ريادة حزب التجمع الوطني للمشهد السياسي في المغرب، حيث حصد الصدارة في الاستحقاقين بينما انهار حزب العدالة والتنمية في كليهما.
من جهته حافظ حزب الأصالة والمعاصرة على المرتبة الثانية بـ86 مقعداً. وكان المنافس الرئيسي للعدالة والتنمية منذ أن أسّسه مستشار الملك محمد السادس فؤاد عالي الهمّة عام 2008، قبل أن يغادره في 2011، لكنه فشل في هزمهم عام 2016.
بدوره حقق حزب الاستقلال (يمين وسط) تقدما في المقاعد التي حصل عليها محتلا المرتبة الثالثة (81 مقعدا). وكان كلا الحزبين ضمن المعارضة خلال الولاية البرلمانية المنتهية.
استعمال المال
وواجه التجمع الوطني خلال الحملة الانتخابية اتهامات "بشراء المرشحين والناخبين"، وجهها له صراحة أمين عام حزب الأصالة والمعاصرة عبد اللطيف وهبي. بينما انتقد رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران يومين قبل الاقتراع ما اعتبره "افتقاد" أخنوش لماض سياسي وللإيديولوجيا قائلا "ليس لك إلا المال".
لكن أخنوش المعروف بابتعاده عن السجالات السياسية وندرة ظهوره الإعلامي اعتبر تلك الانتقادات "إقرارا بالهزيمة"، مفضلا عدم الرد عليها.
وأسفرت الهزيمة المدوية لحزب العدالة والتنمية عن استقالة قيادته الخميس، ودعوتها لمؤتمر استثنائي، منددة في الوقت نفسه "بممارسة الضغط على مرشحي الحزب من قبل بعض رجال السلطة"، و"الاستخدام المكثف للأموال".
وسبق له أن لعب دورا رئيسيا في تشكيل الحكومة المنتهية ولايتها قبل خمسة أعوام، حيث فرض شروطا على رئيسها المكلف آنذاك بنكيران رفضها الأخير في أزمة استمرت أشهرا.
وانتهت بإعفاء الأخير من طرف الملك محمد السادس وتعويضه بسعد الدين العثماني الذي قبل شروط أخنوش، ما أظهر الإسلاميين في صورة ضعيفة.
وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 50.35% وفق ما أعلن وزير الداخلية، علماً أنها المرة الأولى في تاريخ المملكة دعي فيها نحو 18 مليون ناخب لانتخابات برلمانية ومحلية وجهوية في نفس اليوم.
عزيز أخنوش رجل الأعمال الذي هزم الإسلاميين في المغرب
استطاع عزيز أخنوش قيادة حزبه التجمع الوطني للأحرار إلى تصدر الانتخابات العامة التي جرت الأربعاء في المغرب، ملحقا هزيمة مدوية بالإسلاميين الذين ترأسوا الحكومة لعقد، دون أن تؤثر عليه اتهامات خصومه السياسيين حول "جمع المال والسلطة".
بدا رجل الأعمال الثري الذي عينه الملك محمد السادس الجمعة رئيسا للحكومة، واثقا من نفسه دون حماس مفرط وهو يحتفل بانتصار حزبه (مئة ومقعدين من أصل 125).
واعتبر ذلك "انتصارا للديمقراطية"، مؤكدا استعداده "للعمل بثقة ومسؤولية مع كل الأحزاب التي تتقاطع معنا في المبادئ والبرامج، تحت القيادة السامية لجلالة الملك".
ظهر أخنوش (60 عاما) الذي تقدر مجلة فوربس المتخصصة ثروته بحوالي ملياري دولار، في الساحة السياسية عام 2007 بعد تعيينه وزيرا للزراعة، ليلتحق حينها بحزب التجمع الوطني للأحرار، المصنف ضمن الصف الليبرالي. واشتهر الحزب منذ أعوام عدة بانضمام عدد من التكنوقراط إليه بعد تعيينهم وزراء.
بقي أخنوش وزيرا لهذا القطاع الحيوي الأهم في الاقتصاد المغربي حتى ضمن الحكومة المنتهية ولايتها. لكنه ظل قليل الظهور على مستوى قيادة حزبه، مبتعدا أيضا عن الخوض في التجاذبات السياسية والخروجات الإعلامية.
"رئيس فعلي"
استمر الرجل الذي كان في شبابه حارس مرمى إحدى فرق الهواة بالدار البيضاء، وزيرا للزراعة حتى عندما غادر حزبه الحكومة لمدة عام ونصف بعد وصول الإسلاميين إلى رئاستها عام 2012 في سياق الربيع العربي، محتفظا بعلاقات جيدة مع رئيسها الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران.
كان الإسلاميون يواجهون آنذاك منافسة قوية من حزب الأصالة والمعاصرة الذي أسسه عام 2008 مستشار الملك حاليا فؤاد عالي الهمة، قبل أن يغادره في 2011. لكنه فشل في هزيمتهم في انتخابات 2016، ليظهر مباشرة بعدها أخنوش بقوة في الساحة السياسية بعدما اختير رئيسا لحزب التجمع الوطني للأحرار.
حل الأخير رابعا في تلك الانتخابات. لكنّ أخنوش سرعان ما استطاع تجميع تكتل من أربعة أحزاب، فارضا اشتراطات على رئيس الحكومة المكلف بنكيران لتشكيل الحكومة، ما تسبب في أزمة سياسية استمرت أشهرا وانتهت بإعفاء الملك بنكيران من رئاسة الحكومة واستبداله بسعد الدين العثماني الذي قبل شروط أخنوش.
يرى أستاذ العلوم السياسية محمد شقير أن "أخنوش كان بمثابة رئيس الحكومة الفعلي في ظل المشاكل التي واجهها العثماني في تسيير الأغلبية".
وإلى جانب وزارة الزراعة، تولى الحزب قطاعات أساسية في الحكومة المنتهية ولايتها مثل الاقتصاد والمالية والصناعة والسياحة.
بعد عامين على ذلك، واجه أول أزمة حادة منذ توليه رئاسة التجمع، حين أطلقت حملة واسعة مجهولة المصدر على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى مقاطعة ثلاث علامات تجارية كبرى، بينها شركة "أفريقيا" لتوزيع المحروقات التي يملكها، احتجاجا على ما اعتبر "هيمنة" على السوق.
ويسير أخنوش منذ 1996 مجموعة "أكوا" المتخصصة في المحروقات والعقار والاتصالات، وهو حاصل على شهادة في التسيير الإداري من جامعة شيربروك في كندا.
ووجد نفسه في تلك الفترة موضع جدل على خلفية ما اعتُبر أنه تضارب في المصالح بين ممارسة أنشطة تجارية وتولي مسؤوليات حكومية. وتجدد هذا الجدل عندما انتقد تقرير لجنة برلمانية في أيار/ مايو 2018 أرباحا "غير مستحقة" حققتها شركات توزيع المحروقات منذ تحرير أسعارها عام 2015.
تحدثت الحكومة آنذاك عن "تسقيف الأسعار" حفاظا على القدرة الشرائية للمواطنين لكنها لم تنفذ ذلك، علما أن الجدل استهدف أيضا شركات أخرى أبرزها "توتال" و"شال" الأجنبيتان، وأثار تساؤلات حول شبهة الإخلال بشروط المنافسة من خلال تواطؤات حول الأسعار.
وقرر مجلس المنافسة (رسمي) في تموز/ يوليو 2020 فرض غرامة مالية تعادل 9 بالمئة من رقم المعاملات السنوي للشركات الثلاث، لكن الملك محمد السادس أعفى رئيس هذا المجلس بعد شكوى من أعضاء فيه تفيد بـ"اختلالات مسطرية" و"غموض إجراءات التحقيق".
100 يوم
رغم هذا الجدل حافظ أخنوش على عادته في التقليل من الظهور الإعلامي، وبدأ حزبه يأخذ مسافة أوضح من شركائه الإسلاميين في الحكومة، مطلقا في الأشهر الأخيرة حملة تواصلية واسعة جابت 100 مدينة مغربية في 100 يوم، تحضيرا للانتخابات.
كما عزز بشكل كبير حضوره في مواقع التواصل الاجتماعي، علما أن أخنوش لديه أيضا مجموعة إعلامية.
عادت الاتهامات حول "استعمال المال" لتلاحق أخنوش مجددا خلال الحملة الانتخابية، إذ اتهمه الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة عبد اللطيف وهبي "بإغراق الساحة بالمال، قبل أن يهنئه على الفوز بالانتخابات بعد ظهور النتائج.
كما هاجمه رئيس الحكومة السابق بنكيران، معتبرا أنه "لا يملك إلا المال" و"ليس له لا إيديولوجيا ولا ماض سياسي".
كعادته، فضل رجل الأعمال عدم الخوض في سجال مع خصومه، وقال غداة ظهور النتائج "لم نأت لمواجهة تيار سياسي أو حزب معين"، مجددا الوعد بالعمل "على تحسين المعيشة اليومية للمغاربة".
أ ف ب